في ربيع 2011 دارت بيني وبين أحد أصدقائي في العمل (كنت وقتها نائبًا في قسم المخ والأعصاب في المستشفى الجامعي في كوبنهاجن) سلسلة نقاشات عن الداروينية والإسلام. كان صديقي هذا ملحدًا، وقد طلب مني أن أتناقش معه عن سبب اختياري للإسلام كدين، وعن رؤية الإسلام لنظرية التطور. استمرت تلك النقاشات حوالي أربعة أشهر، كنا نتجاذب فيها أطراف الحديث، إما بعد انتهاء العمل، أو أثناء تناول الطعام في مطعم المستشفى، وأحيانًا أخرى عن طريق الإيميلات.
تطرق حوارنا لموضوع الخمور في الإسلام.

فقال لي إن بعض الدراسات الحديثة (1، 2) أثبتت أن شرب الخمور بنسبة متوسطة تفيد صحة الإنسان في تقليل نسبة حدوث الجلطات القلبية، وأن من لا يشرب الخمور مطلقًا يتساوى مع من يسرف في الشرب في خطورة التعرض لأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم. قلت له أنا لا أستطيع أن أنتقد قوة هذه الدراسة؛ لأني لست مؤهلًا لهذا الأمر بعد، ولكني لا أعتقد أن الإسلام يمكن أن يأتي بتعاليم تضر بحياة الإنسان. لا أخفي عليكم.. ظل هذا الأمر يحيرني بشدة، كيف للخمور أن تفيد صحة الإنسان، وكيف أن عدم الشرب مطلقًا قد يؤذيه؟!

بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات وفي صيف 2014 نشرت إحدى المواقع الطبية مقالًا عنوانه (لا توجد كمية آمنة من تناول الخمور). في هذا المقال ذكر الدكتور Jürgen Rehm، وهو دكتور متخصص في مركز الإدمان بجامعة تورينتو بكندا، عن الأخطار الصحية المترتبة عن شرب الخمور. وعندما سُئل عن كيفية تفسير دراسات سابقة أثبتت الفوائد الصحية للخمور فكان رده حرفيًا:
The evidence for the harmful effects of alcohol is stronger than the evidence for its beneficial effects.3
(إن الأدلة على الآثار الضارة للخمور أقوى من الأدلة على الآثار الإيجابية).

وفي شتاء 2016 أصدر قسم الصحة في المملكة المتحدة (Department of Health) تحديثًا للنسخة الأولى للتوصيات الخاصة بتناول الخمور، والتي صدرت للمرة الأولى عام 1995. في هذا التحديث يُوصي المختصون بتقليل نسبة تناول الخمور من 21 وحدة أسبوعيًا للرجال إلى 14 وحدة. في نفس الوقت حذرت هذه التوصيات من أنه بالرغم من تناول كميات قليلة من الخمور فهذا يزيد من خطورة التعرض لأنواع مختلفة من الأورام الخبيثة، وهذا الخطر يقل تدريجيًا عندما يقلع الشخص تمامًا عن تناول الخمور.

وبسؤال كل من البروفيسور Paul Wallace مدير المركز الإرشادي لموقع Drinkaware.co.uk والبروفيسور Jonathan Chick المدير الطبي لمستشفى Castle Craig في المملكة المتحدة ومدير لتحرير المجلة العملية Alcohol and alcoholism عن كيفية التعامل مع الأدلة العلمية للفوائد الصحية للخمور فكان الرد حرفيًا:
Beyond the low-risk alcohol guidelines, alcohol’s potential benefits on the heart are outweighed by other health risks, including acute harms and other illnesses, such as liver disease and cancer5.
(إن الأضرار الناتجة عن شرب الخمور في خطورة التعرض لأمراض الكبد والأورام الخبيثة قد فاقت فوائدها بالنسبة لأمراض القلب).

وأضافوا أنه إذا أراد أحدهم أن يقلل من خطر التعرض لجلطات القلب، فهناك أساليب أخرى كثيرة وصحية تمامًا كالإقلاع عن التدخين، وكممارسة الرياضة، وتناول الطعام الصحي. ولذلك قامت الحكومات في مختلف الدول حول العالم بحملات للتشجيع على الإقلاع عن الخمور مثلDry January في المملكة المتحدة وHvid Januar يناير الأبيض في الدنمارك، والتي تشجع فيها المواطنين على الإقلاع تمامًا عن تناول الكحوليات طوال شهر يناير.

خطورة تناول الخمور (حتى ولو بكميات قليلة) والآثار السلبية الصحية والاجتماعية قد نتناوله في مدونة خاصة لاحقًا لأن موضوعًا كهذا لا يمكن حصره في مقال واحد كما أنه لم يكن الهدف من هذا المقال. إن ما استوقفني عند قراءة مثل هذه التقارير العلمية هو استخدام نفس اللفظ القرآني (الأضرار أكثر من المنافع).

عجيب جدًا هذا القرآن فعلًا، معجز في كل جانب، حتى في اختيار ألفاظه. إن العالم كله يعيد حساباته في أمور كثيرة كان يظنها إيجابية (وبأدلة علمية)، لكن بمرور الوقت اتضحت الصورة بشكل أفضل، وعدلوا عن كثير من قراراتهم وقناعاتهم؛ عندما تبين لهم عدم صحتها (وبأدلة علمية أيضًا)، وهذا يُحسب طبعًا لهم ولأماناتهم العلمية وتواضعهم في إذعانهم بخطأ ما كان راسخًا في السابق عندما ساقت لهم الأدلة الحديثة خلاف ذلك.

لكن تخيل معي كم الخراب الذي جلبه مثل هذا الاعتقاد على مدار سنوات عديدة على المستوى الفرد والمجتمع كله.
ولكن نحن المسلمين، ولله الحمد، قد هدانا الله لما هو خير لنا في حياتنا هذه الدنيا قبل الآخرة. ومن حرصه علينا سبحانه وتعالى ضرب الأمثلة لتنفيرنا من هذا الأمر، ووضع عقوبات لمن خالف الأمر، بالرغم من أنه سبحانه وتعالى لن تضره معصية العاصي، فقط لحمايتنا نحن من هذا الضرر.

فالحمد لله على نعمة الإسلام من قبل ومن بعد.
والله أعلم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1. Mukamal KJ, Conigrave KM, Mittleman MA, Camargo CA, Jr., Stampfer MJ, Willett WC, Rimm EB. Roles of drinking pattern and type of alcohol consumed in coronary heart disease in men. N Engl J Med 2003;348:109-18.
2. Ronksley PE, Brien SE, Turner BJ, Mukamal KJ, Ghali WA. Association of alcohol consumption with selected cardiovascular disease outcomes: A systematic review and meta-analysis. BMJ 2011;342:d671.
3. https://www.medscape.com/viewarticle/824237
4.https://www.gov.uk/government/uploads/system/uploads/attachment_data/file/545911/GovResponse2.pdf
5. https://www.drinkaware.co.uk/alcohol-facts/health-effects-of-alcohol/effects-on-the-body/is-alcohol-good-for-the-heart/
عرض التعليقات
تحميل المزيد