لعلها كانت من أصعب السنين، التي مرت على أولئك الأكبر مني عمرًا؛ هي صعبة على الجميع، لم تكن صعبة، بل كانت مميتة، وقاتلة، لقد قتلتْ الكثيرين؛ مرة بالرصاص، ومرة أخرى بالهم والحزن، هي التي مزجت الأفراح والأحزان بحزن كبير، هي التي حطمت الآمال، ودمرت جيلًا، بل أجيالًا، هي التي دمرت مدنًا، وحطمت مستقبلًا، وكانت ولا تزال مستمرة .

كل تلك الحوادث تستطيع أن تقرأها، على وجه ذلك الأب؛ الذي فقد ولده، والأم التي فقدت فلذة كبدها، وتقرأه أيضًا على وجه ذلك الستيني، الذي أمضى عمره، يبني بيته حجرًا حجرًا، من تعب جبينه، وعلى حين غفلة؛ تساقط تعب السنين حجرًا حجرًا أيضًا.

الأسباب

كان البحث عن الأسباب لتلك المصيبة، التي اجتاحتنا، هو حديث الساعة، وبالنسبة للجميع، الكل كان يبحث عن السبب، أو بالأحرى، وجد سببًا معينًا، وكما يقول المثل: «كلمن عدوه كبال عينه».

حقًا كانت الأسباب متنوعة، وكثيرة؛ مما يجعلك تدرك أن في الأمر خطأً ما، خصوصًا إذا تناقضت الأسباب وبشدة، لم تكن المعاصي الصغيرة، التي لا نجاهر بها، أو يجاهر بها البعض؛ سببًا حقيقيًا، ولا منطقيًا، فهناك بلاد تعيش فوضى من المعاصي، ولم تكن الأسباب الأخرى التي ينطق بها الناس، سببًا مقنعًا، ولا منطقيًا أيضًا.

لقد كان من الأسباب الرئيسية؛ قصص ظلم لا يعلم بها إلا الله، قصص تُخفيها الليالي، وتُخطها الدموع والدماء، قصص تهتز لها الأرض، وترتعد السماء؛ ذلك الظلم هو الوحيد الذي لا يوجد في بلاد أخرى، ولا حتى في الأفلام!

لم يكن الظلم يقتصر على الظالمين فقط، بل كان يتعدى ذلك؛ فالجميع كان يشارك بالكلمة دون أن يجبره أحد، بل كان يخوض مع الخائضين، فلا يتحرى كلماته، ولا ينحاز لعقله، ولا يُحَكّم دينه، فيشارك في قتل وظلم، لا ناقة له فيهما، ولا جمل.

بصيص حياة

لعل الأمر الآن أفضل بكثير، لكثير من أولئك الذين أصابتهم لعنة الحرب، شيء من الأمان، وقليل من الخدمات، وبعض الروح بدأت تسري، وكثير من المفعمين بالنشاط، ويحدوهم الأمل نحو مستقبل أفضل لمدنهم، ولبلدهم، ولأهلهم، ولأطفالهم.

الأمر على الأقل في العراق أفضل مما كان عليه، ولعل هذا الأفضل هو جزء من السياق السياسي، المُتَبع منذ سنوات، لكن بعيدًا عن السياسة، وقريبًا من الناس، الأمر أفضل، دعنا نعيش، ونحيا، ونتأمل، والأمر لله من قبل ومن بعد .

قد مس آباءنا الضراء

{وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوا وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ(95)}.

كثير ممن فقد الأمل بالعودة، وعودة الحياة، يعود اليوم إلى بيته، وأهله، وتعود الحياة شيئًا فشيئًا إلى سابق عهدها، وستعود أفضل – بإذن الله – وما ذلك على الله بعزيز، لكن أن نعود وقد فقدنا الإيمان بأن الأمر كله لله، وأن الله وحده القادر على أن يُبدل مكان السيئة الحسنة، ومكان العذاب والشدة، الرخاء والنعمة والسعة، في المعيشة، فالأمر خطير.

كان يجب ألّا تعود معنا الإشاعات الكاذبة، ولا يعود التنابز بالألقاب، ولا التفاخر بالأنساب، ولا تعود المحسوبية، كان من الواجب أن نترك لهجة التعميم، والمشاركة في الكلام الفارغ، الذي لا يُسمن، ولا يُغني من جوع.

والأهم من ذلك كله، أن لا يعود الظلم بكل أنواعه.

لا تذهب بعيدًا، فتفكر في شخص معين، رسمته في ذهنك، باعتباره مثالًا للظلم، ارجع إلى نفسك قليلًا، لعلك ظلمت أخاك، أو أكلت حق أختك، أو شاركت في ظلم أحد، لا تذهب بعيدًا للسياسيين، وللحكام، ارجع إلى نفسك قليلًا، فلعلك نطقت بكلمة كانت سببًا في هلاك أحدهم، حاسب نفسك، وطهر قلبك، واجتهد بالدعاء ليلًا، واخرج من بيتك صباحًا؛ بنية إعمار الأرض، وإصلاحها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد