1-
ربما لا يمثل التاريخ الذي سطرت فيه هذه الكلمات أي ذكرى سياسية أو أي حدث. أكتب هذه الكلمات لمحاولة إيجاد شخص ما زال عاقلاً، ويسمع شهادتي ومعاتبتي لتلك الأيام التي (نظنها) صعبة، وفي الحقيقة أن الأصعب منها لم يأتِ بعد. إنها ليست نظرة تشاؤمية في الحقيقة بقدر ما هي نظرة واقعية، أو ربما تأملية إلى مدخل طريق المطار القريب من منزلي نوعًا ما، والذي أراوده عن نفسه يوميًا، دون جدوي!

2-
كان جدي الراحل دائمًا ما يقول لي سأعلمك كيف أن الحرية مرتبطة بقيود لا يمكن فكها مطلقًا. وإن اتخذت حرية بلا قيد، فستجد على مسافة قريبة منك من اتخذ نفس النهج وبالتالي يتداخل نهجاكما سويًا وتصبح حريتك ناقصة. دعك من المفاهيم العظيمة التي نبحث عنها كأشخاص نظن أنفسنا أحرارًا نعيش في مجتمع حر، وهو أدنى من أن يُوصف بمجتمع فضلاً عن حر، ولن يسعني الوقت أو الكلمات أن أكتب عن سلبياته فالأحرى أن أظل باحثًا عن ظل في وسط لهيب شموسه أنطلق منه إلى ما يؤهلني إلى جدارة نيل التذكرة! وكما قال أحمد بدير: ” كل شيجن انكشفن وبان”.

3-
وعلى ذكر الحرية، أتذكر منذ فترة قريبة، روى لي قريب يعيش في إحدى قرى المنصورة، أنه حدث خلاف بين والدته وإحدى جاراتهم بسبب أزمة أنابيب، حيث كانت جارتهم، وهي سيدة غير متعلمة؛ تهاجم مرسي وتموينه وأنابيبه وكهربته وسلاطاته وبابا غنوجه بشراسة، فحينما حدثت نفس الأزمات منذ تولي فلان الفلاني، عاتبتها والدته وطلبت منها الرجوع إلى الحق، فردت عليها نصًا: “والنبي لو خلع عمدان النور وباعها، بارضو هأيّده، دا دكر”. حينها تأكدت أن تلك السيدة ومن على شاكلتها، لا يبحثون عن حرية أو حياة كريمة، بل يبحثون عن دكر! والحدق يفهم.

4-
هناك صديق لي منذ فترة بعد تولي السيسي للرئاسة، أعاتبه على سكوته عن القتل وما يحدث من أشياء تعتبر بالنسبة إليه، بلا بلا بلا، قال لي: “أنت تتحدث عن انقلاب وأشياء أخرى، وأنا من الأساس لا أملك في قاموسي معنى كلمة انقلاب، فقاموسي الإنساني يرى أن إنسانيتي تستمر حين أعيش حياة كريمة، وأنا ومن حولي نملك هذا بالفعل، والبلد دي عايزة دكر ومش بتمشي غير بالحديد والنار”. صُعقت من الرد الفلسفي العميق، الذي على الأحرى صاغته معدته، ولكنه أبهرني بغض النظر عن لفظة “دكر”.

5-
بالأمس القريب، قُتل محمود رمضان، لا لا دعك من (هذا)، فمازالوا يتناقشون حول كونه إخوانًا أم فلولًا! اليوم قُتل مواطن في ناهيا اسمه “سيد شعراوي”، ولكن الجديد في الأمر أن قاموس القتل أظهر معانيَ جديدة، وهي أن المواطن لم يُقتل في مظاهرة، ولكنه قُتل في منزله على سريره، أمام أبنائه وزوجته، ووضعوا جثته في بطانية وألقوها في المدرعة. تخيل عزيزي المطالب بدكر أن الأمر صار أشبه بأفلام الأكشن حين يدخل أفراد عصابة على الضحية ويقضون عليه برصاصتين! دعك من هذا أيضًا، اللافت في الأمر أن سيد قُتل معه كلبه، نعم قتلوا كلبه، وهذا ما أثار حفيظتي وجعلني أخرج عن صمتي، كيف لسيدة محترمة تملك عضوية في جمعية حقوق الحيوان أن تتخلى عن هذا الكلب البريء؟ كيف لسيدة من سيدات المجتمع الراقي، والتي تنفق شهريًا على الباتون ساليه والساليزون الكثير، لإقامة اجتماع لأعضاء جميعة الرفق بالحيوان في منزلها، كيف يسهل عليها أن تتخلى عن صوت هذا الكلب البريء؟ أيكون كلب شارع الهرم أغلى قيمة من كلب سيد شعراوي؟

6-
دعك من كل هذا الهراء المسطور بلا فائدة، ودعنا نستخلص قيمة حقيقية من الأشياء المعتادة من وجهة نظر الباحثين عن الدكر، وأقصد بالمعتادة هنا القتل والدمار والنهب والسرقة. طبعًا كشخص طبيعي سترفض حتمًا كل هذا، كلها أشياء ضحلة، ولكن الشيء الذي يجب أن تحترمه في عقول “الأندر دكر”، أن كل تلك المسميات الضحلة، المتنافية مع القيم الإنسانية كافة، أو التي تسلبها، هي في الحقيقة السبيل إلى حريتهم، أو السبيل المرسوم لهم لرؤية الحرية بحجم لقمة العيش. فمثلاً رأى بنو إسرائيل الحرية في الفول والعدس، والذي بالمناسبة تميزت به مصر في القرآن الكريم، ونبذوا المنَّ والسلوى المنزّل من السماء، وكذلك رأوها أيضًا في عبادة عجل جسدٍ له خوار هم من صنعوه وأقنعوا أنفسهم أن الفتحة الضيقة التي في مؤخرة العجل هي مصدر الإيمان. أما عن القيمة، فهي أن الموت الآن أصبح أرخص من لقمة العيش، وهي قيمة تستحق فعلاً البحث عن دكر.

7-
بالمقارنة بين موقف السيدة (بتاعت العمود) ومواقف سيدات المجتمع الراقي، نستنتج ثلاثة أشياء:-
1- أن النموذجين بالأحرى قد شربوا من مستنقع واحد.
2- أن كلب شارع الهرم كان يملك أبونيه في إحدى الجمعيات.
3- أن الحرية فعلاً عايزة دكر.

المقال لا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر صاحبه، بقدر ما يعبر عن احتياجه لتذكرة طائرة عاجلة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد