منذ بدء الثورة السورية وتحولها إلى حرب أهلية بين فصائل عدة حتى أصبحت سوريا ساحة كبيرة للصراعات بين قوى عديدة، ومما لا شك فيه أن يظهر من ضمن هذه الفصائل، الفصيل السلفي الجهادي. ظهرت جبهة النصرة كامتداد لتنظيم القاعدة، وتفوقت بشدة لخبرة قادتها في مجال حرب العصابات فقد كان محاربوها – أغلبهم- سوريين عائدين من أفغانستان والشيشان والعراق.

وبعد مرور فترة من الصراعات ظهر على الساحة تنظيم بدأ صغيرًا ثم نما نموًا ملحوظًا في غضون شهور، والذي أصبح فيما بعد تنظيم الدولة الإسلامية، تفاجأ المجتمع الدولي حين غدا يوم التاسع من حزيران 2014، حيث سيطرت الدولة الإسلامية والعشائر العراقية على محافظة الموصل كاملةً، وتم طرد وقتل أفراد الجيش العراقي النظامي فيها، ومن حيث سميت عند بعض الإسلاميين تلك الحادثة بالثورة السنية هنا بدأت أسطورة الدولة الإسلامية، حيث بدأت العين تسلط على خليفتها أبي بكر البغدادي، وجنودها القادمين من شتى بلاد العالم ليحققوا حلم الخلافة الذي طالما راودتهم التخيلات عنه في المدارس، ما إن قوي شوكة التنظيم حتى بدأت التنظيمات الصغيرة والكتائب الإسلامية بمبايعته، وبدا أن سرطان الدولة الإسلامية يتضاعف، والبقع السوداء تتكاثر في الخريطة يومًا بعد يوم، حتى امتدت إلى خارج العراق والشام إلى سيناء وليبيا والجزائر ومالي والصومال وشرق آسيا.

الدولة الإسلامية في العراق والشام، هو الاسم الأول للتنظيم قبل أن يبدل اسمه ليصبح الدولة الإسلامية، تأسس التنظيم في 2006، ولكن كي يتم دراسة التنظيم دراسة وافية يجب العودة إلى عام 2003 واحتلال العراق حيث حُل الجيش العراقي، وأصبح الشعب العراقي منقسمًا لعدة أطياف وجميعهم مسلحون، فاستوجب ذلك تأسيس كيانات مختلفة بأطياف مختلفة من سنة وشيعة ويزيديين وأكراد ينفصل كل منهما إلى أكثر من فصيل، ظلت الجماعات الإسلامية السنية المسلحة تتدافع في تلك الصراعات – صراع كل فصيل مع الفصائل الأخرى- إلى أن توحدت الكتائب والفصائل السلفية الجهادية عام 2006 في ما يسمى مجلس شورى المجاهدين في العراق، ثم تحول إلى الدولة الإسلامية في العراق حيث دعا أسامة بن لادن المجاهدين في العراق إلى مبايعة خليفته آنذاك أبي عمر البغدادي، بعد مقتل أبي عمر البغدادي، نصب خلفًا له ذراعه الأيمن والذي أُوصى بأن يكون الخليفة بعده، أبو بكر البغدادي في آيار 2010.

أما على الجانب السوري، فبعد احتدام الأزمة السورية، وفي خطاب نشر على الإنترنت أفاد بمبايعة جبهة النصرة السورية للدولة الإسلامية في العراق، لتتحول فيما بعد الدولة الدولة الإسلامية في العراق والشام بخلافة من أبي بكر البغدادي، وبعد فترة وجيزة استبعدت جبهة النصرة أن تكون قد بايعت الدولة الإسلامية في شيء من الغموض وتضارب التفاصيل.

اعتمد البغدادي على بناء نواة صلبة لجيش الدولة الإسلامية عن طريق الاستفادة القصوى من الضباط والجنود السابقين بالجيش العراقي، كما استغل البغدادي السلاح الإعلامي ليبني هالة إعلامية قوية وصلبة لا يستهان بها للدولة الإسلامية استطاعت أن تتفوق وبجدارة على التنظيمات الإسلامية التي سبقته، وعرف البغدادي كيفية استخدام الإعلام كسلاح رادع لأعدائه.

اعتمدت الدولة الإسلامية إعلان قيامها على وسائل شتى انفردت بها وسط التنظيمات الإسلامية على مدار التاريخ الحديث، وفي ظل انتشار وسائل الإنترنت الحديثة كسلاح إعلامي استطاعت الدولة استغلاله، وترويضه ليصبح سلاحًا رادعًا، فقد بدأت الدولة بشن أولى الضربات القوية عبر الأفلام التي تنتجها لتوصيل رسالة معينة إلى العالم بشكل عام، وإلى الولايات المتحدة والتي تعتبرها الدولة العدو ذا الأمد البعيد بشكل خاص، واستطاع التنظيم أن يتقن ويمتهر استخدام الإعلام، وينتج أفلامه بشكل احترافي ملحوظ.

يعد تنظيم الدولة الإسلامية هو التطبيق الحي لتعاليم السلفية الجهادية والنظرية الحديثة، فقد نجحوا نجاحًا باهرًا في التخطيط لإنشاء ما يسمى بالدولة الإسلامية في ضوء صراعات عالمية تأبى لأي كيان أن يستقل بمنأى عن القطب الأحادي: أمريكا.

اتخذ التنظيم سياسة الحرب الباردة والنمو بهدوء واستغلال الثغرات للوصول إلى أهدافه، فقد قسم أبو بكر ناجي في كتابه “إدارة التوحش” مراحل قيام الدولة الإسلامية إلى ثلاث مراحل، المرحلة الأولى وهي ما سماها بشوكة النكاية، وهي تأسيس الجماعات غير المركزية والقيام ببعض العمليات الصغيرة والمتوسطة لإنهاك العدو اقتصاديًّا وعسكريًّا إن أمكن، وانتظار اللحظة المناسبة للدخول في مرحلة إدارة التوحش، حيث يرى ناجي أن البلاد الخاضعة للاحتلال الفكري أو العسكري سيتم التضحية بحكامها من قبل المحتل أو من قبل الشعوب، وتصبح لفترة وجيزة في شيء من الفوضى، وهنا يأتي دور التنظيمات الصغيرة بأن تطور استراتيجيتها من عمليات صغيرة إلى السيطرة على بقع من الأراضي من خلال مواجهات مباشرة، ومن ثم تأتي المرحلة الأخيرة وهي قيام الدولة، وهنا تبدأ التنظيمات في الدول الأخرى بمبايعة التنظيم الذي أصبح دولة، لنرى الدولة الإسلامية تتوسع في مشهد كما لو كان مخططًا له.

هكذا كان الكلام على الورق والنظرية، وفي إسقاط على الواقع نرى أن الدولة الإسلامية في العراق والتي كانت نواة الدولة الإسلامية، كانت تحالفًا بين قوى إسلامية عديدة أتت بعد الاحتلال الأمريكي وحل الجيش العراقي، ومن ثم التوسع في سوريا جاء إبان الأزمة السورية وتفاقم الأزمة من تحول الثورة الشعبية إلى حرب أهلية متعددة الأطراف، وكذلك مصر وليبيا ونيجيريا والجزائر حيث خلخلت الأوضاع هناك.

تسعى الدولة في المستقبل إلى الحفاظ على حالة الهياج العام في الدول التي تسيطر فيها على بقع من الأراضي، أو إلى استمرار مرحلة “شوكة النكاية” لضمان استمرارهم، فيتم الآن وبكل سذاجة توريط الأردن في حرب ضد التنظيم في عقر دياره، وهو ما سيكبد الأردن خسائر فادحة، ويضمن للتنظيم وجوده فهو لا يستطيع البقاء إلا في حالة الحرب والعدم استقرار.

كذلك تتجه مصر إلى التورط بشكل أو بآخر إلى حرب في ليبيا؛ مما قد يؤدي إلى إنهاك الجيش المصري وضمان وجود التنظيم في ليبيا، بل والضرب من الجهة الأخرى وهي سيناء. وقد تبين بأن مجلس الأمن قد أعد خطة لإنقاذ مصر من فخ التورط في ليبيا، بأنه يناشد مؤخرًا بتجنب الحلول العسكرية في ليبيا واللجوء إلى الحلول السياسية، ولكن إن استطعنا القول بأن مصر قد أنقذت وأن الوضع في ليبيا يمكن تداركه، هل يمكن حل الوضع في العراق وسوريا بعد فوات أوان الحلول السياسية؟ أم أن تكون الدولة الإسلامية هي نواة خلافة حقيقية تستطيع التوسع في جميع أرجاء المنطقة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العراق, داعش
عرض التعليقات
تحميل المزيد