ثارت ثائرة الكثير صخبًا، واستشاطت رهوط المتابعين غضبًا، وشحذ الغفير ألسنتهم، ورفع جنود الخيال الأزرق ألويتهم، بعدما وصلهم من نبأ استقدام جهات معينة لنفايات إيطالية بمباركة وزارية، ونخص بالذكر في هذا الباب الوزارة المنتدبة المكلفة بالبيئة التي سُربت أخبار توقيع  صفقة يوم 5 يونيو 2016، مضمونها جلب نفايات بلاستيكية ومطاطية من بقايا عجلات السيارات على مدى 3 أعوام مقابل مبلغ يفوق 118 مليون يورو.

كثير هم الذين نددوا، كُثر من شمتوا، ولكن لم نسمع صوتـًا يستفسر عن جدوى البلاستيك والمطاط الإيطالي، لم نسمع عن أحد يستقصي جدوى الاستيراد ودوافعه، ولا عجب مع تجلي السبب، فالولولة هواية اعتادها وانتهجها كثيرون، جعجعة عقيمة صدعت رؤوسنا، انطباعات وتحريض وتحامل جاهل، كلها سلوكيات هدامة أصبحت موضة العاطلين، من لا شغل لهم ولا مشغلة، عباد العجز والكسل، سياسيون غير نظاميين، سياسيون رغم أنف السياسة، سياسيو المقاهي، سياسيون على القارعة، سياسيو الجهل برهانات وتحديات المال والأعمال وانعكاساتها التنموية.

فقه الأسمنت

يُصنع الأسمنت التقليدي من مزيج من الحجر الجيري 80٪ «كربونات الكالسيوم» و20٪ من الطين، ويمكن تصحيح هذا الخليط من خلال تزويد البوكسيت، وأكسيد الحديد أو غيرها من المواد كالألومينا والسليكا وغيرها من المضافات، بعد سحق المواد الخام ومعها تلك المضافة يتم نقل المسحوق إلى فرن التجانس، إما عن طريق مضخات أو مصاعد، ليطهى مباشرة تحت درجة حرارة تصل لـ2000 درجة مئوية، وعلى الجميع أن يعلم أن هذه الأفران تستهلك  أكثر من 90 بالمئة من الطاقة اللازمة لتصنيع الأسمنت، أما 10 بالمئة المتبقية  فيتم استهلاكها بشكل متساوٍ تقريبًا في إعداد المواد الخام، والطحن وخلط المواد وتلفيف المنتج النهائي، وبالأرقام يحتاج إنتاج طن واحد من الأسمنت ما بين 1000 و1170 كيلووات من الطاقة الكهربائية، بطريقة أخرى تستهلك ثلاثة أطنان «ستين كيسًا» من الأسمنت ما تستهلكه من الكهرباء أسرة تضم خمس أفراد سنويًا، أي ما يعادل 300 كيلوغرام من الفحم الحجري كوقود شائع الاستعمال!

وعلاقة بالمغرب الذي يُمَكِّنه نسيجه الصناعي الحالي من إنتاج ما يناهز 21 مليون طن من الأسمنت سنويًا، يمكننا توقع احتياجاته الطاقية في حدود الـ24.57 تيراوات، وهو إنتاج 15 شهرًا من الكهرباء بالمفاعل النووي بمدينة نوجون الفرنسية  Centrale nucléaire de Nogent أو ما يعادل 6.3 مليون طن من الفحم الحجري! أي ما قيمته 346.5 مليون أورو!

يتضح جليًا مما سبق حجم الاستثمارات الطاقية المطلوبة لضمان منتج بالأثمنة المعروضة حاليًا بالسوق الداخلية، يتضح أيضًا ثقل الفاتورة الطاقية لهذا القطاع وحجم العملة الصعبة التي من الممكن أن يفقدها المغرب إذا استمر في الاتكال على الفحم أو البترول بمشتقاته، والتي يعلم أهل البلد أنه لا شيء منها في البلد، تحديات طاقية لن يجد لها لا السياسي ولا الهندسي ولا حتى عفريت الجن حلًّا إلا فيما سبق من تجربة بعض الدول فقيرة الطاقة، والتي بحثت عن بدائل وحلول قابلة للتفعيل إما عن طريق:

الزيوت المستعملة

العجلات المستعملة

بلاستيك التدوير

النفايات القابلة للاشتعال

 

وغيرها من المحروقات المنخفضة الكلفة والممكن الحصول عليها بعيدًا عن مشنقة الأسعار العالمية، بعيدًا عن الحرب الطاقية الطاحنة والتي حركت في سبيلها دول كبرى أسواقـًا  وجيوشًا وبوارج ودوافع وأفلامًا ومسرحيات، لا قِبَل لدولة كالمغرب بها، هي إذن صعاب ومعيقات ذاتية وموضوعية انضافت إليها مؤخرًا في إطار الحرب الطاقية الباطنة الظاهرة فزاعة جديدة اسمها البيئة، هذه «الفزاعة البيئية» التي أفرز مفهومها جهابذة ما في مكان ما بهدف تحجيم النمو والتطور الاقتصادي لبعض الدول الآسيوية الذائعة الصيت، عبر تحجيم استهلاكها للطاقة بدعوى ذوبان ثلوج القطبين وارتفاع مستوى البحر وغيرها من الخزعبلات والأساطير، نعم! هي خزعبلات وأساطير ما دامت تُكال بمكيال «حلال عليهم حرام عليها» و شريعة «الصناعة لهم والاستهلاك لنا».

ليذهب هذا العالم إلى الجحيم إن كنا سنستمر في التفرج على دول تحرق ما تشاء في سبيل مصلحتها الاقتصادية دون غيرها، لتذهب إلى الجحيم تلك الاتفاقيات المجحفة التي تصاغ على مقاس من صاغها ولغاية ومنفعة تنفعه دون غيره أو لضرب خصم من خصومه، مغربنا الحبيب محتاج كدولة تجتهد لتصبح من الدول الصاعدة لكثير من الطاقة بأشكالها، لطاقة تبعث في محركاته الصناعية ما يحقق به تنمية مبنية على الإنتاج المربح والمستدام، المغرب محتاج لأسمنت ذلول ليستمر في بناء نفسه دون أن يفقد كثيرًا من مقدراته وأنتم تعلمون محورية القطاع العقاري كصناعة ثقيلة وكمشغل أول بالمغرب، فلا تطلقوا يرحمكم الله، أحكامكم المسبقة في أشياء قد تغيب عنكم مقاييسها، فليس الحكم بالظاهر أو عليه، ولكن الحكم بالتحليل والفهم العميق للأمور، وكم حاجة قضيناها بتلافي الخوض فيها.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أسمنت, الأسمنت
عرض التعليقات
تحميل المزيد