يقول ميلان كونديرا في كتابه “كائن لا تحتمل خفته”:”  لا يمكن للإنسان أبدًا أن يدرك ماذا عليه أن يفعل، لأنه لا يملك إلا حياة واحدة لا يسعه مقارنتها بحيوات سابقة، ولا إصلاحها في حيوات لاحقة. لا توجد أية وسيلة لنتحقق أي قرار هو الصحيح؛ لأنه لا سبيل لأية مقارنة، كل شيء نعيشه دفعة واحدة مرة أولى ودون تحضير. مثل ممثل يظهر على الخشبة دون أي تمرين سابق”، تذكرني هذه الجملة كثيرًا بأفلام المخرج المكسيكي “أليخاندرو جونزالز آناريتو” أتذكر أن المرة الأولى التي شاهدت له فيلمًا كنت وقتها في الصف الأول أو الثاني الثانوي لا أتذكر على وجه التحديد، قررت أن أشاهد فيلمًا، قمت بفتح التلفاز لأجد أحدى القنوات تقوم بعرض فيلم غريب أول مرة أسمع عنه يدعى “babel” قلت لنفسي لأشاهده فبراد بيت يقوم بالتمثيل فيه>

 

وبالرغم من الطابع الدرامي البحت للفيلم إلا أنه بعد مرور نصف ساعة وجدت نفسي مشدودًا للغاية وأريد أن أعرف كيف ستنتهي كل تلك القصص المتشابكة.  بمرور السنوات عرفت أن مخرج الفيلم مكسيكي يدعى أليخادنرو آناريتو ومع كل مرة أشاهد فيها فيلمًا له تبهرني قدرته على أن يحكي حكايات ربما تبدو عادية ولا يوجد بها الحبكة التي ننتظرها أو البطل الخارق أو الجريمة المشوقة  ولكن كل تلك التفاصيل الصغيرة المميزة لأفلامه نجدها معًا  شديدة العمق والعذوبة. آناريتو يذكرني جدًا بماركيز وإبراهيم أصلان فالثلاثة تجمعهم القدرة على أن يحكوا لنا ويمتعونا فتشعر وكأنك تجلس مع صديقك القديم الذي يحكي حكايات جميلة على المقهى تنسى معها الوقت. آناريتو يوضح لنا وكما هو موجود في جملة كونديرا أن الحياة هي المسرح الذي ندخله دون تحضير فلا نعرف في أحيان كثيرة ما علينا فعله أو ما هو الواجب فعله، تشعر أن أفلامه قطعة من الحياة.

 

قام آناريتو بعمل ستة أفلام طويلة آخرها ورقته الرابحة Bird Man  الذي حصد أربع جوائز أوسكار العام الماضي،  هناك ثلاثة أفلام لآناريتو أريد الحديث عنها ربما توضح لنا أكثر حكاية أناريتو نفسه المليئة بالنجاح ثم السقوط ثم العودة للظهور بقوة.

1- Babel) 2006)

الجميع يعاني بدرجات متفاوتة

حسب ما ورد في الكتاب المقدس فإن مدينة بابل سميت بهذا الاسم لأن  أهلها حاولوا بناء برج عال ضد إرادة الله  فبلبل ألسنتهم وأفقدهم القدرة على التواصل معًا بعد أن كان أهل الأرض جميعًا يتحدثون بلسان واحد ولغة واحدة، ربما هذا جزء كبير  مما أراد إيصاله  آناريتو لنا في الفيلم، فقدان القدرة على التواصل معًا باختلاف الأماكن والحضارات واللغات. في فيلم بابل أربع حكايات من أماكن مختلفة على وجه الأرض تجمعهم الحياة ولكن من بعيد، فالجميع باختلاف بلدانهم وحالاتهم المادية وبيئاتهم التي يأتون منها يعانون ولكن بدرجات متفاوتة، فالطفلان المغربيان يعيشان حياة معدمة ويقومان برعاية الأغنام ولكن القدر لم يكتف بحالهما فأوقعهما في مشكلة قتل السائحة الأمريكية بالخطأ، أما الأم المكسيكية التي هاجرت من بلدها لتعمل كمربية فأقصى أهدافها أن تذهب لكي تحضر زفاف ابنها ولكنها لا تستطيع نظرًا لرعايتها أطفال الزوجين الأمريكيين فتقرر أن تأخذهما معها للمكسيك لكي تحضر الزفاف، الحكاية الثالثة للفتاة اليابانية الصماء البكماء التي تشعر بالغربة والضياع فتطلب الجنس بطريقة مباشرة بلا أي خجل ووالدها الذي انكسر بعد انتحار زوجته، الحكاية الأخيرة فهي لزوجين أمريكيين يشعرا بالملل في العلاقة بينها وعدم القدرة على التواصل، باختلاف الأماكن والتفاصيل استطاع آناريتو أن يوحد الجميع ويعرض لنا أجزاء من حياتهم اليومية بكل ما فيها من سعادة مختلسة وحزن وانكسار ومقاومة لما يحدث لهم ساعده في ذلك السيناريو المكتوب بجودة عالية والموسيقى التصويرية المبهرة.

 

كان هذا هو التعاون الثالث بين آناريتو وكاتب السيناريو “جوليرمو أرياجا”. فاز آناريتو عن الفيلم بجائز أفضل مخرج من مهرجان كان، وتم ترشيح الفيلم لسبع جوائز أوسكار فاز منها بجائزة  أفضل موسيقى تصويرية التي يستحقها بشدة؛ فالموسيقى التصويرية للفيلم عظيمة ومختلفة.

2-  21 grams) 2003)

ما يموت بداخلنا بمرور الزمن

خ

أكثر أفلام أناريتو إنسانية وشاعرية، هذا الفيلم دليل قوي على استطاعة المخرج الإضافة لأي سيناريو بشكل كبير وإعطائه قيمة ضعف قيمته، كما أن أناريتو يستطيع أن يبرز الجانب الإنساني في كل فيلم من أفلامه وأن يحيط بكل الحكايات والتفاصيل المتناثرة في الفيلم بشكل ذكي. الفيلم يحكي عن ثلاثة حكايات يجمعهم الزمن وتتقاطع خطوطهم، لم يعرض أناريتو القصص بشكل متوازي أو بترتيب زمني منظم، ولكنه قام بعرض المشاهد باختلاف زمني، فكان يقوم بالقطع على مشاهد مختلفة لكل قصة في أوقات مختلفة ليربك الجمهور ويجعلهم يفكرون ويقومون بجمع الخيوط والمشاهد لكي يصلوا في النهاية إلى أجمل مشهد في الفيلم وهو مشهد النهاية، الذي نعرف من خلاله سر تسمية الفيلم 21 جرام.

كم عدد المرات التي نموت فيها من الداخل، وكم عدد الأشخاص الذين ماتت أرواحهم ولكن لازالت أجسادهم تتحرك بلا أي دافع أو هدف؟ كما قال جبران خليل جبران  “ما زلت أؤمن أن الإنسان لا يموت دفعة واحدة وإنما يموت بطريقة الأجزاء، كلما رحل صديق مات جزء وكلما غادرنا حبيب مات جزء وكلما قٌتل حلم من أحلامنا مات جزء فيأتي الموت الأكبر ليجد كل الأجزاء ميتة ليحملها ويرحل”.

 

3- Bird Man) 2014 )

دعنا نتحدى الجميع ونفوز في النهاية

بعد فيلم “بابل” حدثت بعض الخلافات بيت آناريتو وكاتب السيناريو “جوليرمو آرياجا” والذي كتب له أفلامه الثلاثة التي صنعها حتى عام  2006 التي حققت نجاحًا كبيرًا سواء على مستوى النقاد أو الجماهير، فقرر آناريتو كتابة فيلمه الجديدbuitiful  بنفسه ولكنه لم ينجح كسابقيه خصوصًا على مستوى النقاد، ما يطرأ على ذهن معظمنا أن آناريتو قرر بعدها أن يقوم بعمل فيلم جماهيري لا يهم جودته لاستعادة الضوء والاهتمام كما يفعل معظم المخرجين بعد أي سقوط، ولكنه سار في الاتجاه المعاكس تمامًا فقام بعمل المجازفة الكبيرة المسماة Birdman  التي يوضح لنا فيها الصراع الذي يدور بداخل أحد الفنانين الذي صنع سابقًا ثلاثة أفلام عن بطل خارق يدعى  الرجل الطائر، أما الآن فهو يريد أن يقدم فنـًا حقيقيًا من وجهة نظره. شخصيات هذا الفيلم أجمل ما فيه فريغان طومبسون البطل يعاني من النقص في حياته الذي يجعله في سعي دائم لكي يصل فنه للكمال بلا أية أخطاء فنجده يصوب لرأسه مسدسًا حقيقيًا ويطلق على نفسه النار حتى يكون المشهد حقيقيًا تمامًا ويصارع الجميع ويحاول لكي يصل لما يريده. الفيلم يستحق كل الضجة التي أثيرت حوله ويستحق ما فاز به من جوائز في رأيي بالرغم من اختلاف كثيرين حوله. ما يظهر أيضًا في هذا الفيلم هو أن آناريتو يريد دائمًا مفاجأة الجمهور بشيء جديد؛ ففي فيلمه  21 gram  قرر أن يبدأ بمشاهد متنوعة لا تفهم منها شيئًا ليربكنا ويشوقنا، وفي فيلم بابل بدأ من نهاية الفيلم. أما هنا فقرر أن يكون الفيلم مشهدًا واحدًا طويلاً، مجازفة نجحت في أن تبرز مدى سعي هذا المخرج الدائم للاختلاف في عالم تقليدي وربما هذا أكبر أسباب حبي لأفلامه.
the Revenant  هل يكون فارس هذه السنة أم يخذلنا على عكس المتوقع؟

 

خ1

 

الأفلام التي يحدث قبلها ضجة كبيرة تُظلم كثيرًا لأن الجميع يركز مع كل تفصيلة في الفيلم، كما حدث مع interstellar  العام الماضي فقد أحبط كثيرين ولم يحقق الفيلم ما كان متوقعًا له على المستوى النقدي بسبب الضجة الكبيرة الزائدة عن اللزوم التي حدثت قبله، فبعد أن توقع الجميع مشاهدة واحد من أعظم أفلام هذا العقد وجدوا فيلمًا عاديًا، وبالرغم من أني استمتعت شخصيًا بالفيلم ولكن التوقعات العالية قبله أفقدته جزئًا كبيرًا من جماله. ومن وجهة نظري فإن أحد عناصر نجاحBird man  أنه كان مفاجأة سعيدة للجميع بها كثير من الأشياء المختلفة والمميزة، ولم يحدث قبله ضجة كبيرة. فيلم  the Revenant لأناريتو هذا العام يكمن سر انتظار الجميع له في طاقم العمل، فليناردو ديكابريو الباحث عن  الأوسكار وتوم هاردي المجتهد صاحب الكاريزما والأدوار الرائعة ومانويل لوباوزكي مدير التصوير صاحب العديد من الروائع مثل The tree of life  وBirdman   يمثلون ما يمكن تسميته فريق الأحلام، فهل سيكون الفيلم على قدر كل تلك التوقعات المرتفعة؟ أم سيكون فيلمًا عاديًا نخرج لا نحمل منه سوى إحباطنا، سنعرف إجابة هذا السؤال في الثامن من يناير للعام القادم، وهو الموعد الرسمي لصدور الفيلم، سنعرف وقتها هل سيستمر أناريتو في إبداعه واختلافه؟ أم أن ما حدث معه في Birdman كان صدفة لن تكرر؟ أرجح بشدة الاحتمال الأول.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد