انتاب الكثير من جموع المسلمين حالة اشمئزاز بعد عرض أولى حلقات مسلسل «الاختيار»، الذي يؤدي فيه الفنان أمير كرارة دور البطولة، ويجسد شخصية الشهيد البطل أحمد صابر منسي.

السبب هو ظهور عائلة الإرهابي هشام عشماوي الذي يجسد دوره الفنان أحمد العوضي، ملتزمين دينيًّا، وارتداء زوجته النقاب، ونقد كثيرون ذلك، متهمين المسلسل باتهام الإسلام بشيء ليس فيه، أو باتهام الشخوص الملتزمين دينيًّا بوصفهم إرهابيين وتكفيريين.

وازداد الوضع سوءًا، عندما ذهب أحد بدعوى أن المسلسل يهدم ثوابت دينية كالحجاب وإطلاق اللحى، وقال بعض الناس: إنهم يدعوننا لترك ذكر الله، بإظهارهم الإرهابي يذكره!

تلك الدعاوى باطلة لأبعد الحدود، كيف يظهر صناع المسلسل الإرهابي الذي يحارب باسم الدين بدون لحية، وهو كذلك؟ أيظهرونه متبرجا يشرب الخمر، وهو في مخيلته أنه يجاهد من أجل إعلاء راية الدين؟ أو يظهرونه مرتديًا «شورت»؟ أم يخفونه ويضعون مكانه علامة سوداء؟ كيف يحاربون ويدعون بذلك نصرة الدين وهم غير متدينين ظاهريًّا؟

وقضية حلق اللحية، قال فيها كثير من العلماء إن حلقها محرم، وقال آخرون بأن إعفاءها مستحب وحلقها مكروه، وكثير من الإرهابيين يحاربون من خالفهم، وهم يرون أن حلقها محرم، فمن تجرد من لحيته قد يكفر، فكيف يتجردون هم منها وهي تمثل لهم التدين الظاهر؟

الأدمغة مغسولة

لقد انضم عدد كبير إلى التنظيمات القتالية؛ لنصرة الدين في ظنهم، بعد أن وعدوا بالحور العين وجنات الفردوس تقديرًا لجهادهم الزائف، وهذا ما كون عندهم عقيدة قتالية، ولأنهم يريدون نصرة الدين في ظنهم، فلا بد من التدين الظاهر قبل التدين القلبي والتعبدي، وهذا ما ظهر في تدين عشماوي ما قبل القيادة. وقد تستثني القادة نفسها من ذلك التدين الظاهر بعد أن أدركوا أنهم ضلوا السبيل، وأن ما يفعلون ليس من الدين، وأنهم مرتزقة تتاجر باسم الدين، فتنازلوا عن بعض التدين الظاهر، فكثير من القادة قد تجردوا من لحاهم بحالات استثنائية.

نقض الدعوى

لقد نسف المسلسل كل الدعاوى الناقدة له بمشهد متقن عرض في الحلقة الثامنة، يظهر فيه المشخص لدور عشماوي يقرأ قول الله تعالى: «مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا» [المائدة: 32]، وبعد أن تلاه تغيرت تعابير وجهه بتعابير تظهر فيها ملامح الغضب والاستنكار. تلا هذا مشهد محاولة اغتيال وزير الداخلية الأسبق اللواء محمد إبراهيم، التي باءت بالفشل.

ومفاد ذلك أن هذا كلام الله، وما دون هذا افتراء على الله ودينه، وليس منه، وحفظ النفوس أمر إلهي، وهو وارد غير مرة في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. ولا علاقة للإسلام بتأويلات أي شخص لآي الله وأحاديث نبيه ﷺ، إن تعارضت تأويلاته مع الفهم الصحيح للنص المقدس.

وأظهر المسلسل الشهيد منسي وهو يتلو القرآن الكريم، وهو يتضرع إلى الله، وهي يصلي مع كتيبته، وهو يجاهد في سبيل الله حقًّا، وهو يكرر جملته الشهير «اوعوا تفتكروا إن الموضوع له علاقة بالدين، أي دين»، وهذا يؤكد نفيهم التطرف عن دين الإسلام، فأي محاربة للدين إذن؟

الإرهاب في مصر

ثمة إرهابيون وليسوا بمسلمين، فلم تحصر أدوار الإرهاب في المرتدين لعباءة الإسلام؟

دعوى لطالما تكررت مع كل عمل درامي، وإنا نعلم ذلك وأن المسلمين أنفسهم قد تعرضوا للإرهاب في بقاع شتى، كالأندلس قديمًا، وفي بورما حديثًا، وفي مواضع كثر، والهجوم الإرهابي على أحد المساجد بنيوزيلندا قد أكد ذلك للعالم.

ولكن الأمر مختلف في مسلسل «الاختيار» ومعظم الأعمال المصرية، إذ الإرهاب والتكفير المقدم هو الموجود في سيناء وضواحي الفيوم، فهل هؤلاء الإرهابيون ممن حرقوا في بورما أم أنهم المقاتلون باسم الدين الإسلامي والمتاجرون به من الدواعش والقاعديين؟

جدل جديد

الجدل قد حسم، والأمر مرهون بوعي المشاهد، فكثيرون من يستغلون الأعمال المناهضة للإرهاب في تعميم هذا النمط على جموع المسلمين، وغياب وعي المشاهد قد يساعدهم في ذلك، وقد أثير منذ زمن جدل آخر في الساحة العالمية، فيسعى الغرب إلى إلصاق أعمال العنف بالإسلام، وظهر ذلك بشدة عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر الغاشمة، ويبين فيلم «ما علش احنا بنتبهدل» محاولة قولبة كل عنف وإرهاب في قالب إسلامي، حين عرض قصة القرموطي الذي لا ناقة له ولا جمل بالإرهاب، وقد ألصقوا لحية بوجهه ليعترف بجرائم لم يرتكبها، وقد اضطهد المسلمون بالخارج على إثر هذه القولبة المقدمة في الإعلام والدراما، ويظهر ذلك في مسلسل «Elite» الإسباني الذي أدت القولبة فيه إلى انحراف أبناء العائلة المسلمة.

ليس كل الناس ينفرون من ذوي اللحى، فهناك جمع من الناس يوقرهم، ويدعوهم بلقب «شيخ»، ولكن ليس كل من أطلق لحيته شيخًا، والناس لا تقولها إلا لمن ارتاحت لهم قلوبهم، فلا تقال لعابس الوجه، ولا لسيئ الخلق أو لغير المتأدب في الحديث، أو للمشاكس.

القولبة السيئة

كانت بوادر الصورة النمطية السيئة للمتدين في فيلم «الإرهاب والكباب»، فيقدَّم فيه شكل غير مألوف للمسلم المتدين على أنه متاجر بالدين أو متدين ظاهريًّا فحسب، ويأمر بما لا يفعل، وثمة أناس في مجتمعنا الواقعي كذلك، ولكن ليس كلهم كذلك، وهذا مأخذ على معظم الأعمال التي تناولت قضية التجارة بالدين والأمر بما لم يفعل، فكان لزامًا عليها ألا تعمم الصورة على المتدينين، وتوازن بعناصر أخرى.

الحقيقة والحل

قدم الجزء الأول من مسلسل «الجماعة»، الذي عرض اللحظات الأولى من إنشاء جماعة «الإخوان المسلمين»، نمطًا ظل عالقًا في ذهني، هو صورة الشيخ الذي كان ينصح «البنا» مؤسس الجماعة حينما كان طفلًا، كان هذا الشيخ طيب الروح حسن المظهر، وقد أعفى الشيخ لحيته، ولم يصاحب ذلك تقديمه كإرهابي أو رجل منافق، بل ظهر ورعًا تقيًّا، يحب الدين.

رسالة خفية لم يلتفت إليها الكثير، ولكنها رسالة طيبة تظهر أن المستنين بسنن الإسلام ليسوا برجعيين أو إرهابيين، وإنما تعلموا من النبي ﷺ الرحمة المبعوث من أجلها.

وهذا النمط هو حل لتبرئة الدين من شبهة التطرف، فماذا لو قدم الإرهابي على شكله، ولكن يظهر معه في العمل ذاته شخص مستن بسنن الإسلام بمظهر جميل مشرق الوجه، لم يصب بانغلاق العقل، وهذا الاقتراح قدم في مسلسل «الاختيار» أيضًا، إذ ظهر في مشهد واحد عشماوي ورفاقه جالسين مع شيخ ملتح يتحدث بالدين ويصد عن طريق التطرف.

تطاحن حواري

لقد تطاحن الحوار حول المسلسل، وبرز على الساحة فريقان، الأول مؤيد للمسلسل والثاني ينتقده ليل نهار، الأول يتهم الثاني بالتطبيع مع الإرهاب، والثاني يتهم الأول بالتطبيع مع تشويه الإسلام، وهذا نشب من فهم خاطئ لمجريات الأحداث، فلا بد من التحاور القائم على التفكير الناقد دون تعصب، حتى لا يصبح اختلافنا في الرأي فرقة بيننا.

اتفقنا أو اختلفنا في الآراء، لا نقبل جميعًا أعمال الإرهاب الغاشم، الذي يقتل الناس باسم الدين، وما لبث هؤلاء أن عرضت حلقات المسلسل، حتى هجموا على إحدى كمائن القوات المسلحة بمدينة «بئر العبد» بسيناء الغالية، واستشهد 10 شخوص، ردًّا على أحداث المسلسل التي فضحت نواياهم، رحم الله شهداءنا وانتقم من المتاجرين باسم دينه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد