«وهذا الإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمون يجعل الحكومة ركنا من أركانه، ويعتمد على التنفيذ كما يعتمد على الإرشاد، وقديما قال الخليفة الثالث رضي الله عنه : «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن»، وقد جعل النبي صلي الله عليه وسلم الحكم عروة من عري الإسلام، والحكم معدود في كتبنا الفقهية من العقائد والأصول، لا من الفقهيات والفروع، فالإسلام حكم وتنفيذ كما هو تشريع وتعليم كما هو قانون وقضاء، لا ينفك واحد منها عن الآخر، والمصلح الإسلامي إن رضي لنفسه أن يكون فقيها مرشدا يقرر الأحكام ويرتل التعاليم ويسرد الفروع والأصول، وترك أهل التنفيذ يشرعون للأمة ما لم يأذن به الله ويحملونها بقوة التنفيذ على مخالفة أوامره، فإن النتيجة الطبيعية أن صوت الحق سيكون صرخة في واد ونفخة في رماد. هذا كلام واضح لم نأت به من عند أنفسنا ولكننا نقرر به أحكام الاسلام الحنيف، وعلى هذا فالإخوان المسلمون لا يطلبون الحكم لأنفسهم، فإن وجدوا في الأمة من يستعد لحمل هذا العبء وأداء الأمانة، والحكم بمنهاج إسلامي قرآني فهم جنوده وأنصاره وأعوانه، وان لم يجدوا فالحكم من منهاجهم، وسيعملون لاستخلاصه من أيدي كل حكومة لا تنفذ أوامر الله».

كلمات واضحة صريحة لا لبس فيها ولا غموض يضع فيها الرجل القرآني حسن البنا لأتباعه وللأمة وللدنيا كلها النقاط فوق الحروف لنظرة الإسلام للحاكمية، فهي في معتقد كل من عرف حقيقة هذا الدين حق لله لا ينازعه فيه مخلوق، ولا حق لأحد في التشريع لخلق الله في ملك الله الا الله، ولا حلال الا ما أحله الله، ولا حرام الا ما حرمه الله والمعروف الأكبر الذي يجب على الأمة أن تتعاون كل عناصرها لإقراره هو تحكيم شرعة الله بين الناس، والمنكر الأكبر الذي يجب عليها أن تبذل كل جهد لزواله هو إقصاء شرعة الله عن الحكم بين الناس، ولذا كان نداء الله لعباده في هذا الشأن واضحا وضوح الشمس فقال عز من قائل: «وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك، فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله ان يصيبهم ببعض ذنوبهم وأن كثيرا من الناس لفاسقون»، وقال أيضا «يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب»، وقال أيضا: «فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما» وقال سبحانه: «وقاتلوهم حتي لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله». فالملك ملكه، والحكم حكمه، ولا إله غيره، ولا خضوع لسلطان غير سلطانه.

ولعل هذا المبدأ لن يقر بين الناس إلا من خلال نظام الدولة، وهو أرقى النظم الاجتماعية الحديثة التي تتظم شؤون الناس وتوجه جهودهم وطاقاتهم، وفيها تخضع الأمة التي تعيش في إقليم ما لسلطة حاكمة تدين لها بالولاء والطاعة، ولذا فإيجاد هذه السلطة التي تسعى لإقرار هذا المبدأ بين الناس أو إصلاحها وتوجيهها للعمل لذلك إن كانت موجودة هو أمر واجب على الأمة، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

وهذا النظام الذي يحكم العلاقة بين هذه السلطة الحاكمة والأمة وهو نظام الحكم ليعتمد في ديننا على قواعد ثلاثة أقرتها حديثا كل النظم النيابية والدستورية في العالم، وفاقها الإسلام كثيرا في تطبيقها، حتى شيد أعظم حضارة عرفها التاريخ سعد بها العالم قرونا،خرج بها من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة. وأول هذه القواعد هي مسؤولية الحاكم، فالحاكم في الإسلام ما هو إلا أجير عند الأمة وخادم لها وعامل على مصلحتها، تختاره الأمة وتكلفه بإدارة شؤون دينها ودنياها في مقابل أجر تفرضه له،فان أدى ما عليه فله عليها حق السمع والطاعة في غير معصية الله، وإن قصر فله النصح والإرشاد، وإلا فالخلع والإبعاد، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولقد وعى الصديق ذلك عندما انتدبه الصحابة لخلافة رسول الله، فقال لهم: إنني كنت أحترف لعيالي والآن أصبحت أحترف لكم فافرضوا لي من بيت مالكم، يفهم أنه أجبر عند الأمة، ثم يخطب في الناس بعد أن تولى الخلافة فيقول لهم :«إني وليت عليكم ولست بخيركم، أطيعوني ما أطعت الله فيكم فان عصيت الله فلا سلطان لي عليكم». فلا مكان للتجبر، وكل يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم، وللحاكم في الإسلام حق الاجتهاد في جمع الأمة على رأي يرى فيه صالحها وذلك في الأمور التي لم يرد فيها نص في كتاب الله ولا في سنة رسوله، أو ورد فيها نص يحتمل أكثر من وجه فله أن يحمل الأمة على الوجه الذي يراه، أو في مصلحة مرسلة لم ينص عليها الشرع كما فعل الصديق عندما جمع القرآن، وليس للأمة ان تراجعه ما لم يصطدم بقاعدة شرعية، وليس لأحد أن يخالفه في ذلك، ولذا نرى كم أن العلاقة بين الحكومة والأمة علاقة منضبطة يمارس كل طرف فيها حقوقه ويؤدي واجباته ويرجو كل منهما رضا الله.

والقاعدة الثانية في نظام الحكم الإسلامي هي المحافظة على وحدة الأمة، بنبذ روح الخلاف، وإعلاء قيمة التناصح، والتعاون في الأصول المتفق عليها، وتثمين الحوار حول الفروع المختلف فيها في ظل الحب في الله والتعاون على الوصول الي الحقيقة دون أن يؤدي ذلك إلى خصومة أو بغضاء ولكل مجتهد أجره، بل إن الأمر يمتد إلى غير المسلمين الذين يعيشون على أرض الوطن، فلهم حقوق المواطنة ما احترم أفرادهم النظام العام، ولعل في الوثيقة الدستورية التي كتبها النبي صلى الله عليه وسلم مع يهود المدينة دليل وبرهان.

والقاعدة الثالثة في نظام الحكم الإسلامي هي احترام إرادة الأمة، ومشاورتها في كل ما يخص الشأن العام، إما بمشاورة أهل الحل والعقد فيها «البرلمان»، أو بالاستفتاء العام ان دعت الضرورة لذلك، والشورى مبدأ إسلامي أصيل حث الله عليه الحكام «وشاورهم في الأمر» كما حث عليه الأمة «وأمرهم شوري بينهم».

فهذه هي القواعد الثلاثة التي يقوم عليها نظام الحكم في الإسلام والتي بها تأمن الأمة من تجبر الحاكم وتمتلك إرادتها في اختياره وعزله ومحاسبته، وتأمن بذور الفتنة والشقاق بين فصائلها ليصبح كل فرد في الوطن أداة بناء لا معول هدم، فيعود خير الأمة عليها قبل غيرها، وتستطيع حماية مقدراتها، وتأمن مكر أعدائها، وتؤمن مستقبل أولادها، وقبل كل ذلك تبلغ الرسالة وتؤدي الأمانة التي خلقت من أجلها.

ولعلنا الآن فهمنا لم يتربص المجرمون بهذه الدعوة التي تسلبهم سلطانهم وتحرر الناس من ظلمهم وبطشهم، وتحول بينهم وبين مخططاتهم لتجريف الأمة من مقدراتها وسلبها خيراتها، والله نسأل أن يبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعته ويذل فيه أهل معصيته، اللهم ائذن لشرعك أن يحكم الأرض ولدينك أن يسود، اللهم انصر أولياءك ونجهم من فرعون وعمله ونجهم من القوم الظالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد