من قبل تلك الليلة السوداء بفترة طويلة كنت قد قررت الإعراض عن متابعة الأخبار، أخبار سوريا والمشرق المنكوب، واكتفيت بالمتابعة البانورامية عن بعد؛ لأنني جربت أن أغرق فلم أجد في ذلك جدوى، فهي لا تزيد الكرب إلا كربًا، ولا تزيد الآمل المتفائل إلا وهمًا.

كانت كل المعطيات تشير إلى أن ذلك اليوم المفجع قريب، وأن حلب ستستباح بالسلاح، كما استبيحت من قبل بالظلم والتظالم والتنازع. وكنت دائمًا أهرب من التفكير بتلك النتيجة الكارثية، أشمئز من كل بائعي الوهم والمخدرات، الذين يبشرون بالنصر القريب، ويقولون كذبًا وزورًا ولبسًا للحق بالباطل بأن النصر صبر ساعة.
كنت أشفق على الضحايا الذين يعتقدون أن دماءهم لن تذهب هدرًا، وأن الفتح قريب، بل كنت أشفق على نفسي قبلهم، كيف سيكون حالنا بعد أن تذهب ريحنا؟
كنت أتساءل:
ترى هل ستكف كل تلك الدماء عن لعن أرواحنا قبل أن نموت؟ هل ستكف عيون المقهورين عن ارتشاف ماء وجوهنا يومًا؟ هل سنقف يومًا أمام مرايانا ونتبسم في وجوهنا ابتسامة غير العاجزين؟ هل ستتركنا أشلاء الضحايا يومًا نمارس هواياتنا ونضاجع نساءنا، وأن نحلم دون أن تدس سيف الحسرة في مقلاتنا؟
كنت أردد في نفسي: ياويلنا من قادم أيامنا، يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيًا منسيًا.

تتالت الأخبار الصادقة منها والكاذبة، تنذر باستباحة حلب، بالاغتصاب، بالإعدامات الميدانية، بالذبح والنهب، بكل ما لا يخطر على قلب بشر. كانت تسقط الأخبار على رأسي كالصخور، كدت أتحطم، بدأت أصرخ، أقفز على الأرض،أضرب الجدران، أقول يا الله.. كفى!
تتراوح أطياف الجثث أمام ناظري، وأنا كمن أصابه مس من الجن، تطرق صرخات العفيفات مسامعي بمطارق من حديد، وانا أعجز من في الأرض.
يا إلهي؟ أي سافل أنا؟ لماذا أنا هنا؟ لماذا لا أموت معهم؟ لماذا لا أُنحر قبل أن تنال يد خنزير من أختي، وأمي؟
لماذا لا تنزل على رأسي قذيفة فتحيلني رمادًا قبل أن أسمع صرخات طفل تمزق روحي ولا أفعل لها شيئًا؟ يارب لماذا؟!

كنت وحيدًا في البيت، حينما كان إيماني بكل ما أعتقد على وشك أن يذهب هباءً منثورًا،كدت أكفر. لم تعد كل الكلمات التي قرأتها أو سمعتها من المشايخ والوعاظ والمفكرين تعني لي شيئًا. لم تعد كل (بوستات) فيسبوك تنقذني من الزلزال الذي يضرب أعماق أعماقي. لا شيء يصمد أمام كل هذا.

ثم ألهمت أن أقرأ القرآن، وضعت رأسي في الأرض وبدأت أصرخ بالآيات: «وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ، مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ۖ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ». «إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21) لِّلطَّاغِينَ مَآبًا (22) لَّابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23) لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا». «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ».

لا أدري بم صرخت حينها أيضًا، كنت أصرخ وحسب. أحاول بكل ما أوتيت أن أنقذ دماغي من الانفجار،أحاول بكل ما أوتيت أن أسند روحي التي توشك أن تنقضّ،كنت أدرك بوجه ما أنها معركة وجودي، حياتي أو موتي.
نعم، كنت أحاول أن أنقذ حياتي فحسب، لا أن أنقذ أي أحد آخر. وكان أن انتصرت غريزة البقاء على نزعة الموت والعدم.
وكانت اللحظة التي تحولت فيها من الجمود إلى السعي، من الاكتفاء بالنحيب والشكوى إلى العمل، من أجل كل تلك الدماء والصرخات، حتى لا تذهب هدرًا كما ذهبت دماء العراقيين والجزائريين والأفغان من قبل.

«اصنع فرقًا على الأرض، أو تعايش مع فكرة أنك خائن بدموع صديق».

لأن كل ما جرى ويجري في السنوات السابقة هو امتثال لسنن الله، في التمحيص والتدافع والتداول والاستبدال والتغيير، وهي واحدة لا تتجزأ، تجري في أرض المعركة كما تجري في بيتك، في وسائل التواصل، في المجال الفكري والثقافي… تجري في قلبك، عندما يتدافع الصلصال والنور.
اصنع فرقًا في أرضك، أو تعايش مع فكرة أنك خائن، بدموع صديق.

أنا أدرك أنني لن أغير شيئًا، وأدرك أنه ليس لي من الأمر شيء، وأدرك أن الأمر أعقد مما يعتقد الواهمون وباعة الكلام، ولكن إن لم أظفر برؤية النصر،أريد أن أتشبّه بهم وأكون حرًّا مثلهم، أريد ان أتشبه بأحمد أبازيد وحجي مارع وأبي الفرات وأبي يزن الشامي. أريد أن أحظى «بشرف المحاولة».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تغيير, حلب, سورية
عرض التعليقات
تحميل المزيد