إن الحظة وليدة مأساتك، ربما ذكرياتك الماضية سبب عجزك في حياتك.
لقد طلبت النجدة، مرارًا وتكرارًا، ولم يسمع صوتي أحد .. أحسست أني أبكم، لا أقوى على النطق. كل ما أتذكره أني الآن في مشفى المجانين، بالرغم من أنني عاقل .. من حولي هنالك قلم رصاص في شكل رصاصة تستعد أن تخرج من مكانها، والعبث بالورقة الموجودة على الطاولة، ولا أنسى القهوة التي مر عليها أسبوع، لكن لازالت بنفس اللون والطعم واللذة، لم يتغير سوادها، باردة برود أعصابي. كان شعري مجعدًا جدًا كأن الحرب اختصرت فيه، وقد غزا السواد عيني وأفقدها بريقها، ثم إن جسدي كالهيكل العظمي، التصق اللحم على العظام، وشفتي ترتجف زرقاء من شدة البرد.
أغمضت عيني لأرتاح قبل الرسم، لي شهر أفكر ماذا سأرسم، إذ بالفاجعة لقد عدت إلى الوراء. إذ بي أتذكر كل شيء، وليس أي شيء، كأن الذاكرة تجبرني أن أكون عبدًا لها، بل تخضعني إلى أن ألتهم واقعي الذي أنساه كل ما خدروني بحقنة الأعصاب .. لقد تذكرت أدق التفاصيل وأمرها، رأيت الأشلاء تملأ الطريق، وأصوات النحيب تعلوا المكان، كأنها حفلة تنكرية لقسوة الوجوه، ثم إني أعتذر على قسوة العبارة.
كنت مارًا مرور الكرام تحت تأثير الصدمة، وأصحاب القبعات البيضاء ينتشلون الجثث من تحت الركام. للحظة سيخيل لك  أن القيامة قامت، أو إعصارًا غاضبًا أراد أن يبتلع هذه الرقعة الجغرافيا التي ما انفكت لا تهدأ، كانت الأجساد محترقة جراء البراميل المتفجرة  كأن بركان أحرق الأجساد. أنظر إلى الصغار – لا حول لي ولا قوة – ينوحون على ما فقدوه، ويحتضنهم الوجع بقوة ليخفف عنهم وطأة الفاجعة .. ثم ترى رأسًا يبحث عن جسده الذي فصل منه، ورضيعًا لم يبلغ اليوم قلبه أمامه .. لا أطيل؛ فكافة اللوحات الحقيقية جدًا تسحق الروح ألما، موجودة بأكثر دقة وجودة عالية. فالواقع أقرب لنا من حبل الوريد، حتى الصور غالبًا لا تؤثر أكثر من أن تكون أنت في قلب الحدث أو شاهد على الفاجعة هذه.
لازلت أشم رائحة الأجساد، وهي محروقة مثخنة بالدم الذي عم الأرجاء، لازلت أذكر تفاصيل وجه عائلتي التي فقدتها وأمي على وجه الخصوص، فقد كنت أبحث لها عن يديها لكي أدفنها وجسدها كامل، وأنا أبحث في ذهول وجدت ساق أبي  وعقد أختي ولعبة أخي .. جمعتها كلها ودفنتهم بيدي في قبر جماعي لكي لا يحسون بالوحدة، رأيت آخر ابتساماتهم، وأخذت معهم صورة تذكارية، فكانت آخر ابتسامة تجمعنا معًا.
لقد لعنه الحظ وصفعه القدر، لماذا لم تأخذني معهم؟ لكن لم يجبني، كأنه يخبرني أنك ستعيش موتك وتموت في حياتك .. هاجرت  عالم حلب، وانقطع الهواء عني فلم يعد ملكي، بل أصبح  للشبيحة والمستبد، فأي دين يقبل أن لا نستنشق عالم حلب؟
 صممت أن أواجه حلمي الواقعي الخيالي الذي هو أقرب إلى الحقيقة من التوهم. أردت أن أفجر صمتي بأن أرسم الماضي المزعج وأسجنه في ورقة؛ علني أتخلص من كآبتي التي مزقتني وأفقدتني تواصلي مع ذاتي، إذ بذاتي تتوسل كل ليلة أن أريحها من كل هذا.
أردت أن أطبق قولة أدغار موران  القائل: أن نتكلم هو أن نولد مرة ثانية .. أردت من ذاتي أن تولد مرة أخرى، بالرغم من أنها ستكون ولادة قيصرية فريدة من نوعها.
دخلت الفناء مرة أخرى وإذ بي أعود إلى وطني. استنشقت عالم حلب، ولم أكن أدرك أن نزوح عقلي إلى الفكرة بهذا الكم الهائِل من الزعزعة النفسية الفضيعة. إني أبحث وأعصر عقلي لأرسم دقة المآساة؛ لتكون كالحقيقة، ربما أبعد من ذلك؛ لتكون البصمة الوحيدة التي صرخت من اللوحة.
كنت حين أسمع أن المرأة عند ولادة جنينها تتفكك عظامها عن بعضها لتصرخ بكل قوة من الوجع، وتضع مولودها في قلب الحياة، أنا اليوم كالمرأة التي تضج بجنينها، لكني تتفكك عروقي وأحاسيسي وذكرياتي لأرسم من وحلِ دمي وقسوة الذاكرة تلك اللوحة المطلوبة .. لأتخلص من ذاتي، فما أصعب هذا التخلص.
لقد حدث في ذهني تبدل لكافة الأفكار، بل تبدل في وعيي فصمني عن واقعي وبراءتي الأولى – البراءة بمعنى الطفولة أو الهمجية الأولى – وألقاني هذا الوعي وجهًا لوجه أمام واقعي، فأردفني في قلب الحقيقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تعليقات الفيسبوك