يظن البعض أن سقوط حلب لم يكن إلا خسارة منطقة من مناطق الثوار لكنها كانت السقوط الذي رسم شكل الثورة بشكل عام بعد 2016

لم تشهد الثورة السورية أحداثًا كمعارك حلب نهاية عام 2016 والتي انتهت بتهجير الأهالي والفصائل نحو إدلب وإعطاء الروس درسًا قاسيًا للثوار أرادو من خلاله إنهاء الثورة بأكملها من خلال هذه المعركة. فما فعلته الطائرات الروسية آنذاك لم يسبق وأن شهدته أي منطقة في سوريا قبل ذلك، فكثافة القصف الجنوني وعدم مفارقة الطائرات لأجواء المدينة وعشرات الضحايا تحت الأنقاض.

أضف إلى ذلك التقدم السريع لقوات النظام والمليشيات المساندة لها على الأرض جعل غالبية الفصائل العسكرية تفكر مليًا في فتح المعارك أو السيطرة على نقاط جديدة لكي لا تلاقي ما لاقته حلب وهذا ما بدا واضحًا وجليًا من خلال اتفاقات التسوية في دمشق وحمص ودرعا، حيث اكتفى النظام والروس بتهديد الفصائل العسكرية بمصير مشابه لمصير حلب في حال رفضهم القبول بالمصالحات وهو ما ساهم بخسارة مساحات واسعة من الأراضي السورية خوفًا من محرقة سيذهب خلالها آلاف المدنيين بفعل الطائرات الروسية.

بالمقابل ساهمت معركة حلب بتحديد شكل فصائل الشمال السوري وتوجهاتها وطرق تعاملها مع الروس والإيرانيين وقوات النظام على الأرض، فتجمعت فصائل إسلامية متعددة ذات طابع عقائدي في القتال في جسم تحت مسمى هيئة تحرير الشام والتي ضمت جبهة فتح الشام (جبهة النصرة سابقًا) وأنصار الدين وجيش السنة ولواء الحق بالإضافى إلى حركة نورالدين الزنكي، التي ما لبثت بعد فترة قريبة بالانفصال عن الهيئة كون أن دخولها مع هذه الفصائل كان مستغربًا، حيث يختلف نهج وعقيدة الفصيل عن باقي مكونات الهيئة. ومنذ تشكيل الهيئة انقسم الثوار إلى قسمين الأول هو الهيئة وجيش العزة وبعض الفصائل الصغيرة التي ترفض قرارات أستانة وسوتشي وجنيف، حيث أنها تعتقد أن لا سبيل للخلاص من النظام وأعوانه إلا من خلال القتال والمعارك.

أما القسم الثاني فيتكون من أحرار الشام وحركة الزنكي وفيلق الشام وباقي الفصائل المتواجدة في الشمال، الذين دخلوا بعد سقوط حلب بعدة جولات من المفاوضات مع النظام والروس بهدف وقف شلال الدم السوري وضمان انتقال سلمي للسلطة، وهو الشيء الذي بدا اليوم كذبة كبيرة استطاع الروس من خلالها الاستيلاء على أغلب المحافظات عن طريق المصالحات والتسويات. وهكذا تكون معركة حلب وسقوطها قد أنتجت توجهين مختلفين الأول تتبناه تحرير الشام وبعض من يقاتل معها، وهو القتال حتى آخر متر من الأرض وآخر نقطة دم … . التوجه الآخر هو المباحثات والمفاوضات والذي يحاول اتباعه كل من فيلق الشام وفصائل الجيش الوطني بالإضافة إلى أحرار الشام وحركة الزنكي (قبل قضاء تحرير الشام عليهم قبل أيام).

هذا الانقسام والتشتت أنبأ بحرب قريبة بين المعسكرين، فكلاهما ينظر إلى نفسه على أنه هو من يمشي بخطا صحيحة نحو الحل، وبدأت بوادر الاختلافات والمشاكل تظهر وشيئًا فشيئًا بات الطرفان يجرمان بعضهما ويسعى كل منهم إلى إنهاء الآخر والتفرد بالساحة وقيادتها، وتوجيه بوصلة الثورة وفق منظوره، فبدأت الاقتتالات الداخلية منذ ما يقارب السنة والنصف بين هيئة تحرير الشام وحركة أحرار الشام، وبعد أيام من القتال العنيف تمكنت الهيئة من بسط نفوذها على المنطقة الحدودية بشكل كامل وعلى بعض قرى ومدن ريف حلب الغربي لتفقد أحرار الشام الكثير من مناطقها وتخسر معها العديد من الكتائب التابعة لها بسبب انشقاقها وانضمامها لصفوف الهيئة ثم بعد ذلك تدخل الهيئة في معارك كبيرة ضد النظام فيما عرف بمعارك شرق السكة، حيث خاضت الهيئة أربعة أشهر من القتال العنيف والمتواصل على جبهتي الدواعش والنظام في ريف حماة الشرقي وريف إدلب الجنوبي الشرقي، حيث خسرت تحرير الشام مساحات كبيرة بعد هذه الأشهر الطويلة من القتال لكنها كبدت النظام وميليشياته آلاف القتلى والجرحى، وما إن انتهت معارك شرق السكة حتى بدأ اقتتال جديد بين الهيئة من جهة وحركة نور الدين الزنكي.

من جهة أخرى خلف عشرات القتلى من الطرفين، ولكن بعد أسابيع من القتال توقف الطرفان ووقعوا على اتفاقيات لحل المشكلة، لكن كل هذه الاتفاقيات والصلح الذي كان يجري بين الفصائل بتدخل بعض الوجهاء والمشايخ والدول لم يكن سوى إلا إبر تخدير لم تكن لتفعل شيئًا مع اقتناع كل طرف من أطراف النزاع أنه هو من يجب أن يقود الساحة وأن الطرف الآخر يجب أن ينتهي لكي تنجح الثورة.

وهذا ما شاهدناه في الاقتتال الأخير، حيث بدأ الاقتتال بين الزنكي والهيئة بسبب قتل أربعة عناصر لتحرير الشام من قبل الزنكي في ريف حلب، فاستغلت الهيئة هذا الحادث للقضاء على حركة الزنكي ولتتابع قتالها بعد القضاء عليهم وتصل المعارك إلى ريف إدلب وتتمكن الهيئة من التخلص من صقور الشام وأحرار الشام، لتبقي في الساحة على من يقاتل معها أو على من لا يفكر بقتالها كجيش العزة وجيش إدلب الحر وبعض الفرق الغسكرية، بينما بقي فيلق الشام أمام مصير مجهول، فإما يسلم كبقية الفصائل بنهج الهيئة ويمتنع عن الاقتتال معه أو سيواجه مصير الأحرار والزنكي في قادم الأيام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد