«يحكى أن تاجرًا في بغداد أراد أن يتقربَ من الخليفة، وحدَّث في ذلك بعض رجال البلاط، فأخبروه بعد مدة أن أمير المؤمنين سيتفضل بالحلول ضيفًا على قصره يوم الجمعة. فرح الرجل أيما فرح، وأمر بذبح شاتين من أسمن وأصح ما في قطعانه التي ضاقت بها الوديان. فقيل: لا يقدم الخليفة إلا بحاشيته، وهم بين خمسة عشر وعشرين رجلًا، فقال: إذًا نذبح عشرة! قيل: ولا يسير موكب الخليفة، إلا وتبعه عليةُ القوم وسِفلتهم؛ وما أنت، إلا والمدينةُ كلها على باب قصرك؛ فلا يصلح أن يطعم أمير المؤمنين وحاشيته والناس على باب قصرك جوعى؛ ذاك يسقطك في نظره، وأنت عنده إذًا لبخيل، فقال: إذًا نذبح من القطيع مائة، وليس ذلك في عدد الشياه شيء ولم تزل تملأ الوادي، وما يُنقص من مالي أن تذبح مائة شاه بقدر ما ينقص منه نصل سكينٍ قاطع يتلف في قطع رقابها!»

هل أُعجبت بهذه الحكاية؟ هل ترى أن سردها كان بصورةٍ جيدة؟ هل تحمل بين أسطرها المعدودة قيمةً ما؟
أيًا كان رأيك في هذه القصة المقتضبة؛ يؤسفني إبلاغك أن أحدًا لم يحكِ شيئًا!
«يُحكى» بُني الفعل للمجهول، ولم يكن هذا المجهول إلا أنا، وضعت هذه الأقصوصة من نسج أفكاري، ولم أنقلها من أيٍ من كتب الأدب أو النوادر.

ولكن مهلًا!
هذه القصة حقيقية بقدر افتعالي لها، وأبطالها تطلع عليهم شمس الواقع، وتراهم عينا رأسك بقدر استحالة ذلك!

ما عليك، إلا أن تنظر نحو سوريا؛ لتدرك ذلك، وإن كنت ممن أسعدهم القدر بالعيش في وطننا العربي السعيد، فلا يهم حقًا أين تنظر، أينما وجهت ناظريك سترى ذلك التاجر وتلك الشياه التي لا تساوي في نظره قيمة السكين الذي تُذبح به.

انظر هناك!
هناك، إلى حلب؛ أترى السكين، وهو يدور على الرقاب؟ لا يترك أحدًا، إلا وتحسس رقبتَه، كلهم للذبح أكفاء، كبيرهم وصغيرهم، صحيحهم وسقيمهم، كلهم.
فداءً لعرش جلالته، فخامته، عظمته، فداءً لكرسيٍ من خشب مطعم بالفضة، وتاجٌ من ذهب، لم تكتمل زينته بعد، إلا ببعض الدماء.
بعض! نعم، بعض، وليسري هذا البعض القليل، حتى يزاحم الفرات في مجراه، ويصبغ الجداول بلونه الأحمر، ليرضى فخامته، وهو ينادي بحياة الوطن، نعم الوطن، ليحيا الوطن بموت الجميع. «وهل الوطن إلا أنا!»، يتساءل فخامته.

فداءً لجلالتي، وكمالًا لملكي، فليصمتوا بالموت، بعد أن أرقوني بضجيجهم.
فلتصمت المآذن هي الأخرى، كصمت أحدهم بالموت، فلتخلو المساجد من أصوات المصلين، دعوا الريح فقط تخرج وتدخل من أبوابها، وتخرق الصمت بأصوات ابتهالات الصفير، دعهم لا يجتمعون، إلا تحت أكوام الرماد، فليُقبروا تحت أنقاض بيوتهم، بعد أن رفضوا العيش تحت ظل حذائي.
حرية! أي حريةٍ تلك التي ينادون بها؟ الحق! الخير! العدل! السلام!
ما تلك الكلمات؟ غريبةٌ على مسامعي، لم تعهدها أذناي، لم يعلمني إياها أبي.
وأي حقٍ لهؤلاء، أتساوي حريتهم كرسي عرشي! هل حقهم أن يشاركوني قصري، ويركلوني بخارجه إن شاءوا!
شاءوا!
لا، لا يكون، لن يكون!
فلتخرق أصوات القنابل مسامعهم، فلتُهدم تلك البيوت على رؤوسهم، فلتسري طلقات الرصاص وتزاحمهم في الشوارع، عن أي وطنٍ يتحدثون! لا وطن إلا قصري هذا، لا حياة إلا بأمري، لا حرية إلا بما أشاء.

اقتلوهم، وكلهم في القتل سواء، شابًا كان أو شيخًا، رجلًا أو امرأةً، اقتلوا الأطفال، قبل أنا ينادوا كآبائهم برأسي، اقتلوا الجميع، حتى الجراء، اقتلوهم.
احرقوا المروج والحقول، وحولوا أشجار الزيتون إلى رمادٍ أسود.
اقتلوهم، وليُقم قصري فوق عظامهم، وليُنصب عرشي فوق الركام، ولتبتهج أجراس الكنائس في مناراتها المهدمة بـ«نصري»، وليُقم أذاني من المآذن التي أسكنتُها صفحة الأرض، بعد أن كانت تطاول صفحة السماء، فليقيموا لي صلواتهم، ولترتفع أصواتهم لي بالدعاء من أعماق قبورهم. ليبتهج الجميع بعرشي ومملكتي، التي أقمتها فوق الركام.

نعم، فليمت الجميع؛ ليحيا فخامته، لتلمع قبة قصره بين سحائب الغبار، فليُعمَّر ملكه في وطنٍ خرِب، فتملأه العزة في ساحات المعارك، وهو يستعرض جثامين الشهداء، يمر عليهم ويملأه الكبرياء، يتحداهم، وهم صرعى، يخرج سيفه الصدأ من غمده المتآكل، ويطلب النزال
«أمن شجاعٍ بينكم ينازلني؟ وأنت أيها الطفل هناك، أتنازلني؟»
أشجع الشجعان فخامته، يستعرض ساحات المعارك كالعقبان، بعد أن انفضت الجيوش، وسكنت المعمعة، ويدعي نصرًا من زيف فوق جثمان طفلٍ كان يعدد سنوات عمره القلائل على أصابع كفٍ  واحد.
كم عمرك يا فتى؟
يشير إلى ثلاثة أصابع، وربما أربعة، ويبتسم ووجهه تعلوه حمرة الخجل، وربما يكون الأمر صعبًا عليه بما يكفي لارتباكه، وهو يتخطى في العد أصابع يدٍ واحدة، ويستعين بالأخرى، يستعير منها أصبعًا، أو اثنين؛ ليكتمل عدد سنوات عمره، ولكنه ما زال يبتسم.
مازال يبتسم هناك تحت الركام، حيث كان المسجد، وظن أنه يأمن هناك، مازال يبتسم عن جوار ضريح «ابن الوليد»، في حمص، وهو يذكر الشيخ المعمم فوق المنبر، ينقل عن خالدٍ مقولته عند موته «فلا نامت أعين الجبناء».

نعم يا سيدي، لا نامت، ما زلت ترهبهم، وتؤرقهم، حتى أمطروا قبرك بالقنابل، ولكنهم ما زالوا خائفين، ما زالوا يرجفون، فأمطروا سائر المدينة بالقنابل، التي تزاحم في سقوطها ذرات النسيم.
ثم تحولوا من حمص إلى حلب، واليرموك، وإدلب، والقلمون، وجسر الشغور، تحولوا إلى كل ما يحيط بمثواك ليخرسوه، علَ تلك المقولة تغيب عن أذهانهم فينامون، علهم يتوقفون عن سماعها، تتردد في هتاف الشعب الثائر، «لا نامت أعين الجبناء».
ولكنك يا سيدي ما زلت ترعبهم، ستظل ترعبهم.
هذا الطفل المسجى عن يمينك ما زال بابتسامته يرعبهم، ما زال بوجهه الذي تعلوه حمرة الدم، لا الخجل يرعبهم.
مازالت حلب ترعبهم حتى، وهي تبكي، وتنزف من جسدٍ اتشح بلون الرماد.
حلب تُذبح يا سيدي، ولكنها غدًا ستلقف السكين من يد الجلاد، وتأتي على رقبته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد