الحقيقة قاسية، ودائمًا ما ننظر إلى الجزء الجميل منها فقط، كما ينصحنا النفسيون والتربويون، من أجل تحفيز دائم، وقدرة على المتابعة، ذلك أن الجزء الآخر قد يكون مثقلًا بأنماط الفشل والخسارات والهزائم، التي لن تفيد سوى بتصدير الإحباط، وجعل الآخرين ينالون منك.

ولأن الإنسان يحاول جاهدًا الابتعاد عمّا يُشعره بالألم، والتأنيب، ومرارة الفشل، يتطور النظر إلى الجزء الجميل لديه دائمًا، حتى يصبحَ هذا الجزء بمثابة العذر مقابل الأجزاء الأخرى.

«ألا يكفي أنني بقيت حيًّا» بهذه الكلمات خرج معظم الحلبيين من أرضهم، وكأنه الإنجاز العظيم الذي حاربنا من أجله خمس سنوات.

لقد كان هذا الخروج بمثابة تمريغ أنف روسيا وإيران بالوحل، نعم، لقد كان انتصارًا عظيمًا من شعبٍ أعزل على قوتين عالميتين، ومعهما جميع العصابات والمرتزقة والمجرمين الذين جاؤوا إلى هذه الأرض.

عن «حلب» أتحدث منذ البداية، وسأتحدث عنها كثيرًا، لأنها تستحق أن تقودنا لنصرٍ ما، حتى ونحن نتجرع آلام خسارتها.

لن أكون موافقًا أبدًا على تلك النظرية النفسية، وقد رأيت في حلب كل شيء.

نعم، لقد كنا شعبًا استثنائيًّا عظيمًا، قهر الموت وجميع جنوده على هذه الأرض، حتى صرت تراه متعبًا، مطأطئ الرأس، وهو يلهث بين أزقتها من أجل جمع الأرواح المتصاعدة إلى السماء.

قُهرت روسيا، ومن معها، ولم يكن للنظام وجود أبدًا في معادلة حلب، فقد كانت نعال أطفالها أعظمَ بمرات من أن تسمح له بشرف المواجهة.

استطاعت حلب هزيمة النظام منذ عام ألفين وثلاثة عشر، وبدأت بعدها حربها الكبرى مع جميع قوى الجريمة في هذا العالم، وما زالت تحاربُ ما استطاعت إلى بندقيتها وصولًا.

كلُّ ذلك يا صاحبي، كل ذلك، لن يخفيَ الحقيقة القاسية التي سببت الهزيمة.

ففي حلب لم نهزم من كثرة الموت، أو من تساقط المدينة فوق رؤوسنا دمارًا لا ينتهي، ولا من سيل الدماء التي صرنا نشاهدها في مياه الشرب، ولا عندما لم يبق أيّ مشفىً يعالج الجرحى، وصاروا يساقون إلى المسالخ، أو ما يسمى النقاط الطبية «التي فقدت جميع مقوماتها تحت وطأة الحرب» كالبهائم بانتظار أن تترك أرواحهم تلك الأجساد المتعفنة.

في حلب، داست قدماي على العديد من الجثث، وحملتُ أشلاءً كثيرة، ليس من أجل دفنها، بل لأزيحها من طريقي وأنا أمر في شارع ما، مليءٍ بالخراب، أو أمام مشفىً ميداني يعج بأكوام اللحوم البشرية.

في حلب، عرفت رائحة الكلور جيدًا، وصرت أستطيع تمييزها إثر أي انفجار، مهما اختلطت بروائح البارود أو الفوسفور الحارق، أو رائحة الأجساد التي تشوى به قبل أن تصبح فحمًا أسودَ داكنًا، نوْدعه قبورًا لا نعرف أسماء أصحابها.

في حلب، عرفت معنى أن يجوع الإنسان، وأن يقضي أيامًا بلا طعام، عرفت كيف تستطيع أن تستحم بكوب ماء، وأن تنام في العراء ملتحفًا جسدك فقط، وتدفئه في ليالي كانون الباردة، وأن تسير في النهار أو الليل على السواء، لا تحميك سوى أحلامكَ، وسلاحك الذي تمتلك فيه رصاصتين لا غير، لتواجه بهما جيشًا قد يدخل منزلك فجأةً، وتمنعه من أسرك.

وفي حلب، كان فنجان قهوة في آخر الليل يعني الكثير، كان يعني أن كلَّ ما سبق لم يكن الحقيقةَ وراء الخسارة المدويَّة، فما زلنا نستطيعُ المقاومة، وما زلنا قادرين على الصمود، وما زال بإمكاننا شربُ القهوة والغناءُ والسهرُ حتى الصباح، في تلك المدينة المظلمةِ بكل أوقاتها، وكنا ما نزال قادرين على تمثيل أدوار الأبطال باحترافية فريدة. ولا شيء في الدنيا يمكنهُ أن ينتزعنا من هذه الأرض.

الحقيقة قاسية، نعم يا صاحبي، لم تكن روسيا ومن معها قادرةً على النيل منّا، لولا أننا نلنا من أنفسنا مبكرًا، «نحن من فعلها» كلنا، الخونة، والرجال الشجعان، والشعب العظيم الذي قرر الخسارة.

 

قد لا أجيد شرح كل شيءٍ هنا، ولكن سأحاول أن أحكي ما أعرفه عن تلك الحقيقة.

كنا عاطفيين بما يكفي لننجر وراء أصحاب الشعارات، وننسى الإعداد الجيد للمعركة، ونصدق الخونة، فقط، لأنهم كانوا يذكرون اسم الله في كل خطاباتهم، ونتركهم وهم يدمرون ما نملكه من رجالٍ وسلاح أثناء الحصار، ويسلّمون أرضنا للعدو، بحجة أن قتال المسلم لأخيه حرام، ولم ندرك أي حرام كنا نقع فيه، عندما كنا سذجًا لعدم تصديق خيانتهم، وبيعهم لنا في مزادهم الأسود اللعين.

كانت عاطفتنا تدفعنا ببلاهةٍ لحمايتهم، لتشريع ما يقومون به، من سرقاتٍ باسم الله والغنيمة، ولعدم محاسبتهم عندما يعتدون على رجالنا، فقط لأنهم كانوا يجيدون الموت وهم ينطقون الشهادة، ويخوضون المعارك بجنون الحكايات الذي نحبه، ويحسنون تسويق انتصاراتهم لنا، دون أن ندري أي هزيمة يخبئون خلف بريق هذه الانتصارات.

يزوّرون شرع الله، ونقتنع بحججهم تحت سطوة البندقية.

يعدوننا بالخلافة الراشدة وحكم السيف الذي سيُقَوِّم اعوجاجنا، فنصفق لهم بحماسة، وننسى الحرية التي نموت في سبيلها.

حتى وهم يخرجوننا من أرضنا «من حلب» أسرعنا لتأليف الأساطير عن شجاعتهم، واتهمنا أنفسنا بالخيانة والإرجاف والخوف، لكي لا يُخدش اسم الله الذي يرددونه دائمًا، قبل كذباتهم، وبعدها، وبين كلِّ كذبتين، وقلنا يومها أننا السبب، وكم كنا صادقين وبلهاء في وقت واحدٍ معًا.

نعم لقد كنا صادقين، فنحن السبب، نحن من سمح بهذه الخيانة، والرجال الشجعان الذين حاربوا النظام، لم يمتلكوا الشجاعة لإطلاق النار على الخونة، حتى وهم يتلقَّونَ الضرباتِ منهم.

قدّسنا اسم الله وأحببناه دائمًا، وتخلينا عن شريعته وأمره.

غرتنا الأماني والشعارات، ونسينا معنى ربط القول بالعمل.

اختلفنا وتقاتلنا بين بعضنا في أحلك الظروف، دمرنا معنوياتنا بأيدينا عندما أصر الجميع أنه لا حل إلا بالاستسلام، كما أراد لنا الخونة والأعداء، فاتنا الوقت يومها حقيقةً، ولم يتبق لنا أي شيء نستطيع فعله.

أشهد أن العالم قد تآمر ضدنا، وأن الجميع تعاهد على تسليمنا، وأن أقرب المقربين إلينا لم يضرب رصاصة واحدة من أجلنا، ولكن، أشهد أيضًا أننا لو لم نفعلها من الداخل، لما استطاع أحد انتزاعنا بهذه السهولة.

لو أننا لم نخض ثلاث معارك سلبٍ ونهب داخل حلب أثناء حصارها، ولم نُفشل ثلاث معارك أخرى بسبب سوء التنسيق بين الفصائل، ولو أننا لم نبق فصائل أصلاً، ولم نسمح لمن سرقنا ودمّر قوتنا بحكمنا في حلب المحاصرة، لولا كلُّ هذا لربما لم تسقط حلب.

نحتاج إجابات واضحة عن كل هذه الأمور قبل أن ندعي أننا الأبطال الذين خرجوا من أرض الموت أحياءَ فقط، وأن نكتفي بذلك.

نحتاج أن نواجه أنفسنا بكل الحقائق، وأن نكون شجعانًا في النظر إلى كل تفاصيل التجربة وأن ندرك الحقائق القاسية، قبل إدراك تلك المواقف التي تجعلنا أبطالًا من ورق، نرضي أنفسنا بادعاءات النصر.

ليعلم الجميع أن حلب أُسقطت، وعندما ستعود ذات يوم، سنحكي القصة كما هي، لكي لا يعيد أبناؤنا الأخطاء ذاتها، وليكونوا أكثر شجاعةً وحزمًا مع كل من يتلاعب بتضحياتهم، عندها فقط ستكون البطولات قصصًا تترى، عن شعب لم ينل حريته، بل أنتزعها عنوةً من الجميع بصلابة أبنائه.

هذه هي النظرية الجديدة، عليك أن ترى كل شيء، ولا تجعل علماء النفس والتربية يخدعونك، كن شجاعًا بما يكفي لتشير إلى مواطن فشلك، وتزيلها بقوة، لكي تحقق نجاحًا خاليًا من الأوهام المفجعة، التي ستتكشف أمامك ذات يوم.

الحقيقة قاسية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد