في الوقت الذي ظن فيه العالم أن الثورة السورية ماتت أو هزمت، في الزمن الذي احتفل فيه إعلام القومجية العرب وبعض الأعراب بحصار حلب وقطع طريق الكاستيلو، وفي اللحظات التي ظن فيها ساسة الغرب أن خطتهم التقسيمية في سوريا أصبحت قاب قوسين أو أدنى من التحقق، وفي الشهور التي شعر فيها »خامنئي« وأذرعه العسكرية في المنطقة أنهم منتصرون كما أظهروا ذلك في »الميادين والعالم والدنيا والجديد وسكاي نيوز«، وفي الساعات التي ظن الأسد الدموي )قاتل أكثر من 600 ألف مسلم( لوهلة أنه مستمر في الحكم بفضل تواطؤ العالم أجمع (العالم الذي يصمت على إبادته للمسلمين السنة).

بل وصل الأمر إلى أن يصرح وزير الدفاع الروسي، بل على الثوار في حلب الاستسلام وإلقاء السلاح والعودة إلى حضن الوطن وبشار الأسد، أو أن على الـ400 ألف مدني الخروج من المدينة وأنه سيكون هناك ممرات آمنة وإلا فالحصار مستمر!.

في هذه اللحظات المفصلية مجتمعة من تاريخ بلاد الشام، اللحظات التي بلغت فيها القلوب الحناجر وظننا جميعا أن الثوار في سوريا (حماة الثورة اليتيمة) قد أحيط بهم من كل جانب بعدما اجتمعت عليهم أمم الأرض في تداعٍ أممي ليس له مثيل عبر التاريخ استخدموا فيه كل الأسلحة المحرمة دوليا جنبا إلى جنب مع السياسات «القذرة» التي لم تهتم بما يجري لمئات الآلاف من المدنيين من إبادة جماعية فقط لكونهم من «السنة».

وهنا هبت رياح الوحدة الفصائيلة وانفجر البركان الحلبي، حيث اجتمع الثوار من 14 محافظة سورية وعلى رأسهم ثوار إدلب وحماة بجانب ثوار حلب، وأعلنوا «#ملحمة حلب الكبرى» ووضعوا نصب أعينهم إنقاذ أهلهم ليس في حلب المحررة فقط بل في القسم المحتل كذلك، أعلنوها المعركة وهم يوقنون أن الانتصار فيها وتحرير «الشهباء» سيعني حتمًا انتصار الثورة السورية وقلب الطاولة على من ظن مجرد الظن أن السوريين سيستسلمون لما يريده الغرب والشرق.

ورغم أن قوات الأسد تساندها الطائرات الروسية والمليشيات الإيرانية استمروا في حملتهم «الجنونية» بتواطؤ غربي لقصف المدارس والمستشفيات والأسواق وأماكن تجمعات المدنيين والمساجد في أحياء حلب المحاصرة، إلا أن ذلك لم يثن أطفال حلب وشبابها عن المشاركة في الملحمة الحلبية التاريخية عبر حرق الإطارات (الدولاب باللهجة السورية) لإقامة منطقة حظر جوي حرمهم العالم منها لسنوات طويلة.

تلك الملحمة التاريخية، التي سطرها الثوار بمساعدة أهالي حلب، أطلقوا عليها اسم «إبراهيم اليوسف» أحد العسكريين السوريين (منفذ عملية مدرسة الدفاع) الذين شاهدوا كيف قتل نظام حافظ الأسد ومليشياته المئات من المدنيين السنة في حلب في بداية الثمانينيات فانتقم لهم وظل يقارع النظام حتى استشهد، وبعدها توصل النظام لقبره فنبش جثته وعرضها على شاشات التلفاز السوري وتم التنكيل بها علنا، لذا لم يكن غريبا أن يختار الثوار اسم ذلك البطل اسما لمعركتهم.

كان لاختيار هذا الاسم بالتحديد، إشارات هامة أن هذه المعركة ليست كغيرها، وبالفعل استغل الثوار سذاجة النظام وأوهموه أنهم سيفكون الحصار عن حلب من شمال المدينة حيث طريق الكاستيلو، ولكنهم وضمن خطة خداع استراتيجي مكتملة الأركان، استطاعوا فك الحصار من الريف الجنوبي لحلب، في معارك لم يكن أكثر الخبراء المتمرسين في العلوم العسكرية يتوقعونها، لضخامة ثكنات النظام العسكرية في تلك المنطقة بالتحديد، ولكن في أيام قليلة سقطت تلك الثكنات الضخمة وفي مقدمتها كليات المدفعية والفنية الجوية والتسليح وباتوا داخل حلب الغربية والتي سيعني تحريرها تحرير كامل حلب.

فهذا النصر يتعدى نتائجه فك الحصار عن حلب بل إنه سيقلب موازين الصراع في الساحة الشامية وسيقلب طاولة المؤامرات الدولية وسيرسم  خارطة الربيع والتحرير لتلك الشعوب المستضعفة التي يحظر عليها أن تستنشق حريتها واستقلالها وتمنع من أن تنهض وتفرض عليها الخرائط التقسيمية، وما جانب صلاح الدين الأيوبي الصواب أبدا عندما قال «ما سررت بفتح قلعة أعظم من سروري، بفتح مدينة حلب، وإذا سقطت حلب سقط الشام كله».

ولا شك أن فشل الانقلاب في تركيا، وفتح الأتراك لإسطنبول بالتكبير («يا الله» «باسم الله» «الله أكبر»)، هو بداية لتغيير استراتيجي في المنطقة بأكملها وهاهي بشائره في حلب، عز الشرق إذا بات اليوم أوله حلب وليس دمشق المحتلة، وهذا ما يدركه الغرب والشرق على السواء،  وأي توقف للثوار عن إكمال تحرير كامل حلب سيعني تأخير تحرير سوريا من براثن الاحتلال الإيراني – الروسي، ولاشك أن الثوار يدركون كل هذه الحقائق ويعلمون خطواتهم القادمة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد