في عام 637م تقدمت جيوش المسلمين الفاتحة نحو حلب، وكان على رأسها قائد الأركان العسكري «أبو عبيدة بن الجراح»، والقائد الميداني المسلم «عياض بن غنم» مُشرفًا عسكريًا على الميدان، تحت إمرة الفاتح العظيم «خالد بن الوليد» رضي الله عنه وأرضاه. وقد كانت حلب وقتها تحت حكم «البيزنطيين» مع حلفائهم «الغساسنة».

في هذا الوقت كانت حلب مدينة كبيرة محاطة بالأسوار، وحصنًا صغيرًا منيعًا خارج المدينة يقع على تل منعزل، فاجتمعت القيادة العسكرية الإسلامية؛ تتشاور في الأمر؛ بعد أن علموا قوة حصن حلب، وتواجد 17 ألف كافر مُسلح داخل المدينة، إلا أن القوات البيزنطية بدأت تهاجم على الفور قوات المسلمين خارج المدينة!

فأمر القائد الإسلامي خالد بن الوليد بفرض حصار مُحكم على مدينة حلب من خارجها، ومنع الدخول والخروج إليها حتى استسلام من بداخلها، إلا أن قائد القوات البيزنطية يواخيم أصر على المواجهة، وقام بعدة محاولات لكسر الحصار، ولكنه فشل في كل مرة متحملًا خسائر جسيمة.

بعد عدة أيام من تلك الحالة قرر الروم البقاء في الحصن لانتظار المساعدات التي يمكن للقيصر هرقل أن يرسلها لهم، ولكن هرقل لم يرسل شيئًا، وفي شهر أكتوبر (تشرين الأول) من ذات العام استسلمت الحامية الرومية البيزنطية، حيث سُمح لها بالرحيل بسلام، وكانت المفاجأة أن القائد البيزنطي «يواخيم» لم يرغب بالمغادرة، بل أعلن إسلامه واختار أن يخدم تحت راية الإسلام، وبالفعل فقد أثبت ولاءه في الأسابيع اللاحقة بشكل مميز وقاتل تحت رايات العديد من القادة المسلمين.

مدينة حلب

حلب هي أكبر مدينة في سوريا، وهي عاصمة محافظة حلب التي تعد أكبر المحافظات السورية من ناحية تعداد السكان، وهي تقع شمال غربي سوريا على بعد 310 كم من دمشق، بعدد سكان 5 مليون نسمة تقريبًا، كما أنها تعد أكبر مدن بلاد الشام، وتعد أقدم مدينة في العالم، كانت المدينة عاصمة لمملكة يمحاض الأمورية وتعاقبت عليها بعد ذلك حضاراتٌ عدة، مثل الحثية، والآرامية، والآشورية، والفارسية، والهيلينية، والرومانية، والبيزنطية، والإسلامية.

وفي العهد الإسلامي العظيم؛ شهدت مدينة حلب تطورًا نوعيًا في معظم المجالات، وشهدت نهضة ثقافية وعمرانية رهيبة، وقد اهتم الخلفاء المسلمون بهذه المدينة اهتمامًا بالغًا نظرًا لأهميتها الدينية، وكونها تقع في قلب بلاد الشام التي أوصى الرسول العظيم -صلى الله عليه وسلم- بها، إلا أن هذا الأمر لم يرق للمُشركين؛ فجعلوا هذه المدينة هدفًا أساسيًا لهم كالقدس!

تحت نار المغول!

في 24 يناير (كانون الثاني) لعام 1260، احتُلت المدينة من قبل المغول تحت قيادة «هولاكو»، بالتعاون مع حاكم أنطاكية «بوهيموند السادس»؛ دافعت عن المدينة حامية متواضعة من قبل الملك الأيوبي «غياث الدين طوران شاه» وسقطت المدينة بعد 6 أيامٍ من القصف المستمر بالمنجنيق، وسقطت القلعة بعدها بأربع أسابيع، وذبح السكان بوحشية.

استعاد المماليك زمام المبادرة بعد انتصارهم في موقعة «عين جالوت» في 3 سبتمبر (أيلول) عام 1260 بقيادة الملك المظفر «سيف الدين قطز»، واستعيدت دمشق بعدها بخمسة أيام، وحلب بعدها بشهر واحد.

إلا أن المغول عاودوا الكرة من جديد، وأقدموا على هجمات كر وفر كبيرة على محافظة حلب، وذبحوا وأسروا العديد من سكان المدينة، في محاولة لهز دولة الخلافة.

حلب.. هدف الحملات الصليبية

شكلت الحروب الصليبية دورًا بالغ الأهمية في تاريخ العلاقات بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي؛ فقد شغلت الحركة الصليبية ثلاثة قرون من الزمن، تطور فيها الكيان الصليبي في بلاد الشام في مقابل تطور وتغير أوضاع المسلمين فيها.

فقد كانت حلب واحدة من مدن بلاد الشام التي لعبت دورًا هامًا جدًا في التصدي للصليبيين، وأسهمت إلى حد كبير في ثبات الأمة الإسلامية في وجه الغزاة ودحرهم، وتبدأ حقبة الحملة الصليبية الأولى مع حصار الصليبيين لحلب الذي أجبر «رضوان بن تتش» أمير حلب ـ ولأول مرة ـ على دفع إتاوة لهم، ومن ثم انتقل حكم حلب إلى «الأراتقة» الذين تسلموا الحكم في حلب بعد وفاة رضوان.

أما فترة «عماد الدين الزنكي»، والتي تعد البداية الحقيقية للتفوق الإسلامي في الصراع مع الصليبيين، فقد قدم إلى حلب وقضى على الفوضى فيها، وبدأ حكمه في منطقة بلاد الشام بتسلم زمام المبادرة، ففتح حصن «حارم»، كما هاجم أنطاكية وأعمالها، ثم عاد زنكي ليحقق خطوة مهمة بنصره الكبير على الصليبيين في معركة «بارين» وفتح الحصن، وكيف استنجد الصليبيون بالإمبراطورية البيزنطية.

أما الحملة الصليبية الثانية، فبدأ معها حكم «نور الدين محمود بن زنكي» في حلب، والذي تفرغ تمامًا لتوجيه الأحداث في بلاد الشام والإشراف عليها، وقد كشف نور الدين منذ البداية عن حزمه، فقضى على تمرد سكان الرها بقوة، وسعى إلى إتمام مشروع أبيه زنكي بتوحيد بلاد الشام، وعاد نور الدين مجددًا ليحاول ضم دمشق، ولكنه أخفق، إلا أن نور الدين صمم على ضم دمشق بعد سقوط عسقلان بأيدي الصليبيين.

وفي فترة القائد الأيوبي «صلاح الدين»، قام بفرض حصار على الموصل بغية الدخول إليها وبسط سلطته عليها، أو إضعافها على الأقل ليسيطر على حلب، وقد نجح في ذلك، إذ استطاع صلاح الدين قطع العلاقات بين الموصل وحلب، واتجه صوب حلب، وفرض عليها حصارًا لم يستمر طويلًا؛ إذ سرعان ما سلمها صاحبها عماد الدين زنكي الثاني مقابل «سنجار»، وبذلك انتهى دور حلب في حرب الاسترداد مع نهاية عصر الزنكي فيها وبداية العصر الأيوبي.

الخلافة العثمانية

أضحت حلب جزء من الدولة العثمانية عام 1516، وكان تعداد السكان عام 1516 حوالي 50000 نسمة، وكانت مركز ولاية حلب وعاصمة سوريا، نظرًا لموقعها الاستراتيجي القريب من الأناضول، ولعبت حلب دورًا محوريًا في الدولة العثمانية، وكانت المدينة الثانية بعد القسطنطينية، والمدينة الرئيسة للتجارة بين بلاد الشرق والغرب، وإذا كانت السفارات الغربية واقعة في إستانبول، فإنّ المهام القنصلية الرئيسة كانت تتم في حلب.

استمرت المدينة تحت الحكم العثماني حتى انهيار الإمبراطورية مع نهاية الحرب العالمية الأولى، حددت معاهدة «سيفر» مقاطعة حلب كجزء من سوريا، بينما تم وعد الأرمن بتحقيق استقلال هضبة أرمينيا من قبل فرنسا في المعاهدة الفرنسية الأرمنية المبرمة عام 1916، لكن «مصطفى كمال أتاتورك» رفض هذه المعاهدة، واستمر بضم حلب والأناضول وأرمينيا إلى تركيا، وخاض حروبًا لاستقلال التراب التركي.

وقد دعم السكان العرب والأكراد في المدينة النضال التركي بدايةً ضد الفرنسيين باعتقادهم أنه سيجلب لهم الاستقلال، ومن أشهرهم «إبراهيم هنانو» الذي قام بالتنسيق في فترة من الفترات مع كمال أتاتورك، لكن النهاية جاءت كارثية على حلب؛ فمع عقد معاهدة لوزان انتزع معظم مقاطعة حلب باستثناء حلب نفسها، ولواء الإسكندرونة، وهكذا سلخت حلب عن الأناضول ومدنه التي كانت تضمها علاقات تجارية مكثفة، الأسوأ من ذلك، كانت معاهدة «سايكس – بيكو» التي قسمت بلاد الشام وفصلتها عن العراق، وزادت عزلة حلب أكثر بعد أن سُلخ لواء الاسكندرونة عام 1939 أيضًا، فحرمت حلب من مينائها الرئيس؛ لتُعزل تمامًا.

(القدس – حلب – الموصل) !

هذا السرد التاريخي السريع يكشف أهمية حلب للمسلمين، وسر الحقد الصليبي على حلب، والتي كانت دومًا سدًا منيعًا لحملاته الصليبية على الأراضي الواقعة تحت ظل الخلافة الإسلامية العظيمة.

وإذا ما تفحصنا جيدًا وصايا القساوسة الذين كانوا يهيجون الحملات الصليبية دينيًا؛ فإننا نجد أسماء ثلاث مدن دومًا كانت محل تحرضيهم، (القدس – حلب – الموصل)؛ فهن بالنسبة لهم مدن مقدسة يجب أن تكون لهم، فهل نجحوا في 2016م؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

حلب
عرض التعليقات
تحميل المزيد