«عاش حياته في سجون عبد الناصر أكثر من تسع عشرة سنة، لا يلبس إلا ثياب السجن الخشنة، وحتى الثياب الداخلية التي كان لكل سجين حق شرائها من مقصف السجن كان يرفضها، لا لقلة من ماله، وإنما كان يأبى إلا أن يعيش متجردًا من كل ما يعتبره ضباط السجن منحة توهب للسجين ترغيبًا، أو يحرم منها ترهيبا؛ فآثر، رحمه الله، أن يتجرد من كل ما يمكن أن يحرم منه، ليملك من نفسه ما يعجز الغير أن يملكه منه، كان هذا مفتاح شخصيته المتجردة الزاهدة، وكان دأبه على هذا السلوك موضع عحبنا وإعجابنا، فقد كنا نأخذ أنفسنا بالرفق لنستطيع أن نتحمل مشقة الطريق الطويل الذي قدر الله لنا أن نسلكه، أما هو فقد كانت نفسه أطوع لديه من بنانه، فما عاد يحس بمشقة تدعوه إلى الرفق بها…».

الأستاذ صلاح شادي، متحدثًا عن الداعية المجاهد التقي النقي الورع الزاهد المتجرد الصوام القوام الأمين، محمد كمال السنانيري، الذي قضى في سجون عبد الناصر ما يقارب العشرين عامًا، ذاق فيها العذاب ألوانًا.

وقد كان ينجيه من هذا اللظى الذي يعيش فيه أن يكتب سطرين في ورقة يعلن فيهما تأييده لعبد الناصر، وأرسلوا له أمه السبعينية لتطلب منه ذلك، إلا أنه اعتذر لها قائلًا بشموخ الداعية: «وكيف سيكون موقفي بين يدي الله إذا أرسلت هذه الرسالة ثم مت، هل ترضين يا أمي أن أموت على الشرك؟»

وظل الرجل ثابتًا على مبدأه حتى قضى كامل مدته، ليخرج بعدها ليتزوج من خطيبته التي انتظرته عشرين عامًا حتى بلغت الخمسين من العمر، ليقضيا معًا أجمل سنين العمر، والتي لم تدم طويلًا ليدخل سجون الظالمين مرة أخرى بعد عودته من أفغانستان، ليصبوا عليه العذاب صبًّا، محاولين أن يعرفوا منه دوره ودور من معه في الجهاد الأفغاني، وهو يأبى أن يعطيهم معلومة واحدة حتى لفظ أنفاسه بين يدي جلاديه ليلقى الله شهيدًا مستقبلًا ريح الجنة، أشوق ما يكون إليها.

إنها بحق حياة تثير الدهشة والعجب، لو لم نكن نعرف أبطالها لظننا أنها لون من ألوان الأساطير والخيالات التي لا تسرد إلا للتسلية والإثارة، فكيف يفكر هؤلاء الذين يؤثرون حياة البؤس والشقاء والحرمان وإنهم ليستطيعون أن يعيشوا كغيرهم من الناس بل أفضل من الكثيرين منهم، فقط بأن تخرس ألسنتهم عن أن تنطق بالحق، وتعمى أبصارهم عن رؤية الباطل، وتصم آذانهم عن سماع ما يجب عليهم تجاه دينهم ووطنهم وأمتهم، فقط أن ينيموا ضمائرهم ليستريحوا ويريحوا. فما هو السر وراء هذا الرضا الذي يملأ قلوبهم على ما هم فيه من العذاب؟

إنه الإيمان الذي تمكن من القلوب حتى أصبح لا يمازجه ريب ولا يخالطه شك بأن الآخرة خير من الأولى، وأن الطريق إلى الآخرة هو التمكين لدين الله في الأرض وإسعاد العالمين بشريعة الله.

آمنوا أن هذا هو الطريق ولا طريق غيره، فساروا فيه على أشواكه وبين أهواله يخفف عنهم من مشاقه بريق الأجر وما يرجونه من رضا ربهم وصحبة نبيهم، فتجردوا لهذه الفكرة وتخلصوا لها مما سواها وحطموا كل ما يمكن أن يكون عائقًا لهم عن السير لتحقيقها، وروضوا أنفسهم على الاستغناء عن كل عرض دنيوي قد يستخدمه الأعداء معهم ترغيبًا أو ترهيبًا ليثنوهم عن الاستمرار في طريقهم لرضا ربهم، أقاموا هذه الفكرة أول ما أقاموها في قلوبهم، فكانت فعالهم تنطق بالصدق قبل ألسنتهم، فبارك الله أعمارهم أجرًا وأثرًا وتأثيرًا، وكانت سيرهم تجسيدًا دقيقًا لمعاني الجهاد والتضحية والثبات والتجرد.

بهذه القلوب ننتصر، وبهذا الإيمان نصل، وبهذا التجرد نتحصن، وبهذا الفهم نسود، والله نسأل أن يقسم لنا من اليقين ما يهون به علينا مصائب الدنيا، إنه سميع قريب مجيب، وهو نعم المولى ونعم النصير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد