أتذكر – عندما كنت صغيرًا – عشقي للتسكع على كورنيش الإسكندرية، وأتذكر – أيضًا – أنه كان على مد البصر، فكلما مشيت تترك خلف ظهرك أقل بكثير مما بقي. تشعر برائحة البحر تداعبك، والهواء الصافي يملأ رئتيك، ومع الأسف كان كل هذا بالمجان!

يبدو أن هناك توجهًا أن ندفع ثمنًا لكل شيء، حتى الهواء الذي نتنفسه!

وفي البداية، وقبل أن أتحدث عن اي شيء، أود ان أقول: عذرًا أيتها الأجيال القادمة؛ فلن تتمكنوا مما فعلنا في الصغر؛ لأنه أصبح محرمًا على الإسكندرية، فالبحر شوه وأغلق عليه من كل جانب بكتل خرسانية قبيحة تراها على مد البصر، والمعالم التي كنا نعشقها هدمت بفعل فاعل، ولن يبقى لنا أي شيء، وحتى أكون دقيقًا في التعبير أن الإسكندرية الآن تعتبر محض أنقاض، يحاول رفعها مقاولو الهدم، ولكنهم ما إن ينتهوا منها؛ حتى يجدوا أنقاضًا جديدة … وهكذا.

وربما الكثير من مختلف المحافظات الأخرى، لا يعلمون أي شيء عن النكبات المتوالية التي تلحق الإسكندرية اليوم، نكبة تلو الأخرى، فدعوني في البداية أحدثكم عن غلاء الأسعار.

لقد تابعت أزمة غلاء تذكرة المترو في القاهرة، وكنت أتعجب؛ فالقطار في الإسكندريه تم رفع تذكرته بين ليلة وضحاها من جنيه إلى 5 جنيهات، بادعاء أن هذا قطار آخر مميز، وربما يكون – بالفعل – مختلفًا قليلًا عن القطار العادي، ولكن هل هذا مبرر لزيادة التذكرة إلى خمسة أضعاف ثمنها؟ ومحاولة إحلاله محل القطار العادي، والترام تمت زيادة تذكرتها للضعف، وبعضها أربعة اضعاف، إلى جانب ابتكار شيء يدعي الترام كافيه، قيمة التذكرة بداخلها 5 جنيهات، وكأن الخمس جنيهات ستصبح سعرًا موحدًا للمواصلات بداخل محافظتنا المنكوبة.

وإن كنت تحلم أن تتجول داخل الإسكندرية بسيارتك، فأود ان أعلمك أن هذا بات مستحيلًا؛ بسبب إغلاق عدة طرق حيوية، او جعلها اتجاهًا واحدًا؛ لاستكمال أعمال الهدم وتشويه المنظر العام للمحافظة؛ لتتحول الإسكندرية – من بعد عهد السيد اللواء عبد السلام المحجوب – من مدينة للجمال والعشق إلى مكان قاتم قبيح، تمتلئ اغلب شوارعه بالقمامة والحشرات، حتى أفضل وأرقي الاحياء بالإسكندرية، أصبحت تفوح من بين طرقاتها رائحة الإهمال والفساد الذي أزكم الأنوف.

الإسكندرية الآن، أشعر وكأنها تحولت إلى مستعمرة، ولم تعد هي المرأة الجميلة التي كنا نعشقها سابقًا، وإن تكلمت؛ لصرخت في كل من تعمد تشويهها، ولا نعلم لماذا، ولا لصالح من يتم هدم محافظة الإسكندرية على هذا النحو، وتضييق الخناق على قاطنيها! هل هو عقاب متعمد لكل أهل الإسكندرية من قبل السادة المسئولين؟

إني أرى الآن الغضب والأزمات تتفاقم في كل الشارع السكندري أضعافًا مضاعفة عن باقي محافظات الجمهورية، فكيف يحيا هذا الشعب البائس الذي قاده قدره السيء ليولد بمحافظة الإسكندرية؟ في ظل غلاء الأسعار بشكل مبالغ فيه، بالتزامن مع تقليل المرتبات لأقصي درجة؛ لتصبح أقل من باقي محافظات الجمهورية بمراحل.

ويؤسفني يا ساده أن أعلمكم أن هناك وظيفة جديدة ازدهرت في الإسكندرية فقط، وهي وظيفة مقاول الهدم، فكل يوم يتم تشريد آلاف الأسر حتي يربح هؤلاء المزيد، وبالطبع يتم بناء منازل جديدة لتهدم بعد ذلك وتشرد آلاف الأسر مرة ثانية، وهكذا نحيا في الإسكندرية، وهذه هي الحياة البائسة التي فرضت علينا.

شاطئ مشوه بكتل خرسانية وأنقاض تمتد لتحتل كل المحافظة، وغلاء في الأسعار غير مسبوق، ولا يوجد له مثيل في كل محافظات الجمهورية، وبطالة، وانخفاض حاد للمرتبات وكأن الإسكندرية أصبحت محتلة أو ربما مستعمرة محرمة على أهلها، ولن أذكر كم المباني التاريخية التي هدمت، ولكن يمكن أن تبحثوا بشكل يومي لتجدوا أن هناك معلمًا جديدًا من معالم الإسكندرية هدم بجانب آلاف المنازل.

أوقفوا تدمير الإسكندرية قبل أن يصل الاحتقان والغضب إلى حد يستحيل التعامل معه.

أوقفوا هدم الإسكندرية وارحموا شعبها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد