مُنذ أن أُلغيت الخلافة الإسلامية عام 1924م انْحَدَرَتْ غالبية الدول الإسلامية والعربية وأصبحت تحكُمْهَا حكومات يُسيطرُ علي مُقدراتِها اللوبي الصهيوني، سواء بطريقةٍ مباشرة أو غير مباشرة، وتدرج هذا إلى أن أصبح علنًا يراهُ حتى من كان يظُن عكس ذلك، لذا لم يُعنني تلك العلاقات التي تُقِيمُها هذه الحكومات مع هذا الكيان الصهيوني سواء من خلالِ عملياتِ التطبيع أو غيرها من العلاقات، فهي موجوده سواء أُعلن عنها أم لم يُعلن، وتدار من خلالها تلك الدول التي تُحكمها هذه الحُكومات، أما ما يعنيني هنا هو علاقة تلك الشعوب التي ترضخُ تحت سيطرة هذه الحكومات بهذا الكيان الصهيوني ودورها ثم مدى معرفتها بصحيح تاريخها وما هي علاقتها بتلك الأرض التي احتلها واغتصب حقوق شعبها هذا الكيان الصهيوني وأنشأ عليها مجموعة من المستعمرات أعلنها فيما بعد دولة؟!

فبالأمس القريب حطت طائرة من هذا الكيان الصهيوني على قطعة جديدة له من أرضِنا العربية الإسلامية، وكانت رحلتها تحمل رقم 971 وهو نفس رقم الاتصال الدولي لهذه القطعة من أرضنا العربية الإسلامية وهي الإمارات العربية المتحدة.

وقد كنت أستمع إلى أ.محمد نصر في برنامجهِ مصر النهاردة والذي يُبث على قناة مكملين وقد نبهني تعليقهُ على تلك الطائرة وعلى الاسم الذي أطلقه عليها هذا الكيان الصهيوني وهو اسم -كريات جات- وذكر فيما ذكر حقيقة هذا الاسم.

عندها تذكرت هذا الاسم وتذكرت أن لي معه تاريخًا نقله لي وللكثيرين غيرى واحد من هؤلاء المُجاهدين الذين سجلوا ملاحم -شَهد بها العدو قبل الصديق- عبر ما كان يقصَّهُ علينا من بطولات تلك الفئة من مُجاهدي الإخوان المسلمين التي تطوعت للجهاد في فلسطين بين عامي 1948، 1949 ضد عصابات اليهودية الصهيونية- مع قلة عددهم الذي سُمح له بالذهاب إلى فلسطين من قِبَلْ جامعة الدول العربية والحكومات العربية آنذاك في كل من مصر والأُردن وسوريا والعراق هذا المجاهد هو *سُليمان إسماعيل وكان مقصدهُ -رحمه الله – من ذلك:

1) أن يبث فينا حُبا لتلك الأرض -أرض فلسطين- وللمسجد الأقصى.

2) أن يُحَملنا مسئولية السعي على تحرير هذه القطعة الغالية من أُمتنا.

3) أن يَغرز فينا مَعنى أهم وهو أن نجعل تلك هي قضيتنا الأولى.

و*كِريات جات هو اسم لتلك المُستعمرة التي أقامها الكيان الصهيوني المُحتل على أنقاض قطعةٍ من أرضِنا المحتلة فلسطين وهي *قرية الفالوجا.

وكما ذكرت فإن لهذا الاسم أثرٌ وتاريخٌ عندي، وجدت أن من واجبى -مع هذه الأحداث التي تمر بها أُمتنا العربية والإسلامية ومع السماح بتدنيس جزء جديد من أرضنا العربية الإسلامية أن أذكر بعضا مما أتذكره عن تلك القرية، كحق وواجب لهذه القطعة من أرضنا المغتصبة، ولهذا الرجل ولإخوانه المجاهدين ولفصيل من الجيشِ المصري آنذاك ثم لأولادنا وللأجيال القادمة.

أتذكر أن المجاهد سُليمان إسماعيل -رحمه الله- قد ذكر لي أنه عندما كان في فلسطين -ضمن طليعة مُجاهدي الإخوان المسلمين- وفي أواخر عام 1948 جاءتهم إخباريه أن هناك مُعسكرًا للجيش المصري قد حُوصر في قرية الفالوجا من قبل عصابات اليهود وأن الجيش المصري حاول إدخال إمدادات له من الغذاء والذخيرة والأدوية عبر عدة محاولات -برية وجوية- إلا أن جميعها باءت بالفشل، وقد أوشك أو نفذت بالفعل ما كان لدى تلك القوة المحاصرة من غذاء وذخيرة.

لذلك لم يجد وقتها الجيش المصري سوى اللجوء إلى الإخوان المسلمين ويستعين بأولئك المتطوعين من المجاهدين منهم على أرض فلسطين، والذين قبلوا المهمة فور إبلاغهم بها وتم الترتيب لها لإنقاذ إخوانهم – فهكذا كانوا يتعاملون معهم – في هذا اللواء من الجيش المصري الذي وقع تحت هذا الحصار.

وسارعت قيادة الإخوان المسلمين في فلسطين بتكوين مجموعة من المُجاهدين منهم -وكان المجاهد سُليمان إسماعيل واحدًا من تلك المجموعة – والذين سارعوا بالقيام بعدة عمليات استطلاعية ليُحددوا أفضل الطرق من الناحية الأمنية والزمنية لكي يقودوا من خلالها عدة قوافل من الجمال تحمل الإمدادات من الغذاء والسلاح والذخيرة والمواد الطبية وتقطع كل منها ما يُقارب ثلاث إلى ست ساعات عبر الصحراء وكانت تُرسل القافلة تلو الأُخرى، مُخترقين بها هذا الحصار الشديد لإنقاذ هذا اللواء من الجيش المصري المُحاصر بقرية الفالوجا.

وكان حجم كل قافلة يزدادُ عن سابقتها، وتلك القوافل هي التي ساعدت هذا اللواء والذي كان تعداده يُقارب الخمسة آلاف جندي وضابط من الجيش المصري على الصمود طوال فترة الحصار، التي امتددت من خمسة إلى ستة أشهر، خاصة بعد أن نفذت مؤونته من الغذاء والذخيرة.

حتى جاءت الهدنة التي وقعها الحكام العرب مع اليهود، والتي تم على أساسها تسليم الفالوجا من قبل الجيش المصري لتلك العصابات الصهيونية وفك هذا الحصار وانسحاب الجيش المصري، وكان للمجاهدين أيضا دور كبير في تأمين انسحابه من غدر العصابات اليهودية.

وقفات من حصار الفالوجا ودور المُجاهدين من الإخوان المسلمين في فلسطين أثناء الحصار

من بين ما أذكُر مما ذَكَرهُ لي المُجاهد سُليمان إسماعيل رحمهُ الله:

كان من قادة تلك المجموعة من المجاهدين الضابط/ معروف الحضري وهو أحد ضباط الجيش المصري الذين ذهبوا متطوعين للقتال في فلسطين -كان هذا قبل دخول الجيوش العربية لفلسطين وكان من الإخوان المسلمين -وكان مشهودا له بالذكاء والإيمان وبقدراته البُطولية والقيادية في كل المعارك التي خاضها.

وفى واحدةٍ من عمليات الإمداد هذه وعند عودته مع المجاهدين تعرضوا لهجوم من قبل العصابات الصهيونية وقع هو على إثرها في الأسر بعد أن قام بتأمين عودة المجاهدين، وقد تم الإفراج عنه لاحقًا في تبادل للأسرى.

ومن المُضحك المُبكي أنه بعد حركة 23 يوليو 1952 والتي قام بها ما كان يُسمى بتنظيم الضباط الأحرار والذي كان أساس نشأتهُ في الجيش المصري هم ضُباط الإخوان المسلمين، وبعد سيطرة جمال عبد الناصر على الأمور في مصر وتدبيرهُ لحادث المنشية تم اعتقال اليوزباشي معروف الحضري وتعذيبهُ في السجن الحربي رغم أنه كان واحدًا من هؤلاء الضباط الأحرار، إلا أن حقيقة الأمر أنهم أرادوا أن يُبعدوهُ حتى لا يكون حجرة عثرة أمامهم فيما ذهبوا إليه من ظُلمٍ وفسادٍ فيما بعد.

فعلوا ذلك معه وهو ذاك الضابط القائد البطل الذي كان واحدا من أهم قادة المجاهدين في فلسطين والذين قاموا بعمليات تزويد هؤلاء الذين اعتقلوه ومنهم جمال عبد الناصر بالمؤن والذخيرة أثناء حصارهم في الفالوجا!

وكان من بين المُحاصرين في الفالوجا اليوزباشي/جمال عبد الناصر ضمن الجيش المصري.

وقد ُساورهُ -رحمه الله- شكًا في هذا الضابط/ جمال عبد الناصر -فقد كان يشك في خيانته للجيش المصري أثناء الحصار وعِمالته لليهود وكان شديد الكره له وهذا ما ثبت لديه فيما بعد سيطرت جمال عبد الناصر على الأمور في مصر في أعقاب حركة 23 يوليو 1952 وما أعقبها من أحداث كلها ذهبت لصالح هذا الكيان الصهيوني وما زالت!

وكان المُجاهدون يتركون الجمال التي كانت تحمل الإمدادات للجيش المصري المحاصر حتى يستخدم لحومها فيما بعد كغذاء ويعودون سيرًا على الأقدام، وكانت أول قافلة منهم ذهبت وعادت سيرًا على الأقدام عبر الصحراء، وكانت أطول القوافل زمنا، ثم بعد ذلك استخدم المُجاهدون الأحصنة ليركبوها ويسحبون خلفهم الجمال المحملة بالإمدادات، وكان الجيش المصري المُحاصر يستقبل هؤلاء المُجاهدين استقبالا حافلا عند وصولهم إليه بالإمدادات.

نال هؤلاء المجاهدون من الإخوان المسلمين حظهم وهَديتهم من الجيش المصري آنداك، فقد تم اعتقالهم من قِبَلِهِ، وكانوا يُنقلون أثناء الاعتقال ما بين رفح والطور والعريش ثم نُقلوا بعد ذلك إلى الهايكستب وكان المجاهد سُليمان إسماعيل واحدًا من هؤلاء الذي نالهم ذاك التكريم وهذا الشرف من الاعتقال!

كان هذا اللواء من الجيش المصري المحاصر تحت قيادة الضابط اللواء سيد طه وكان يُطلق عليه الضبع الأسود أو ضبع الفالوجا والذي شُهد له بالبطولة والإخلاص، وكان هذا الضابط يرفض التسليم لليهود تحت أي ضغوط وكان يحث جنوده على الثبات، لذلك عندما وصل المجاهدون بالإمدادات فرح بهم فرحًا شديدًا وكان يستقبلهم استقبالا حافلًا.

إلى هنا ينتهي ما تمكنت من استعادته بعون الله من ذاكرتي مما كان يقصهُ علينا المجاهد سُليمان إسماعيل -رحمه الله- عن حصار الفالوجا، ويبقى هنا أن أذكر بعضًا مما قرأت وسمعت بعد ذلك عن حصار الفالوجا،

عندما عاد اللواء سيد طه (الضبع الأسود) إلى مصر بعد فك الحصار استُقبل هو وجنوده استقبالا حافلاً وألقى كلمةً أمام جموع مستقبليه والمحتفلين بالعائدين وكان يحضرهُ الملك فاروق وكان هذا بميدان عابدين، وأثنى فيها اللواء سيد طه على المجاهدين من متطوعي الإخوان المسلمين الذين أنقذوا الجيش المصري في هذا الحصار، فكُوفئ هو الآخر على إثر تلك الكلمة وهذا الثناء بنقله إلى أقصى جنوب مصر.

عندما وقع الضابط معروف الحضري في الأسر ساوره شك أو قُل يقينا أن هناك من المحاصرين من بين الضباط زملائه في الجيش المصري من قام بإبلاغ اليهود عن الطريق الذي يسيرون فيه بالقافلة، فقد كان لا يعرف الطرق التي تتخذها القافلة سوى من هم في القافلة فقط وبعض من ضباط الجيش المصري الذين تحدث هو معهم.
كان قائد لواء الجيش المصري المحاصر هو اللواء سيد طه وكان رئيس أركانه اليوزباشي جمال عبد الناصر.

وقع حصار الفالوجا في أكتوبر 1948 واستمر حتى فبراير 1949.

الاتفاقية التي تم على أساسها فك الحصار وانسحاب القوات المصرية وتسليم الفالوجا هي اتفاقية الهدنة الدائمة بجزيرة رودس في يناير 1949 والتي أسماها المجاهدون من الإخوان المسلمين آنذاك باتفاقية العار وكانوا رافضين لها.

قام اليهود بعد توقيع اتفاقية رودس بوقتٍ قصير بنقضها كعادتهم، فقاموا بالتطهير العرقي لأهالي قرية الفالوجا، وهَجَّروا من بقي منهم ثم بعد ذلك أقاموا عليها مستعمرتهم التي أطلقوا عليها اسم (كريات جات).

وهو ذاك الاسم الذي أطلقوه على أول طائرة تحملهم إلى إحدى أراضي الدول العربية الإسلامية التي فتحوها مُجددا وعبرت بهذا الاسم أجواء واحدةً من أعز بقاعِنا العربية الإسلامية هي المملكة العربية السعودية.

فعلوا هذا عن قصد واضح حتى يُعيدوا إلى أذهاننا ما فعلوه بجيشنا المصري من حصارهم له وتذكيرنا بتلك المعاهدة في فبراير 1949 والتي تسلموا فيها قرية الفالوجا من الجيش المصري وأقاموا عليها مستعمرتهم، وقد كتبوا هذا الاسم على تلك الطائرة تحت كلمة سلام إشارة واضحة انهم يمنحوا السلام لهؤلاء الحُكام في مقابل التنازل عن الأرض والمقدسات.

فأي خزىٍ وأي عارٍ وهوانٍ وصلنا إليه؟!

هذا هو ما أذكره مما حُكي لي من واحدٍ من هذه الفئة المجاهدة من جماعة الإخوان المسلمين ممن شاركوا بتجرد نحسبه لله عز وجل في أحداث هذا التاريخ الناصع لتلك الجماعة، وكان شاهدا على كثير من ملاحمها على أرض فلسطين، والتي كانت منها تلك الملحمة التي سُطرت لإنقاذ فصيل ليس بالقليل من الجيش المصري.

كان هذا المجاهد هو والدي رحمه الله رحمة واسعه هو وكل إخوانه من المجاهدين من هذا الرعيل من هذه الجماعة المُباركة والذي شرفني الله عز وجل بأن كنت من أبنائه.

وهذا جزء ضئيل من التاريخ الناصع لجماعة الإخوان المسلمين -تلك الجماعة الإرهابية مع الجيش المصري ومع الأمة العربية والإسلامية.

فما علينا الآن وأُمتنا العربية والإسلامية يمُران بهذه الأحداث هو أن نراجع تاريخنا الصحيح ونحفظه ونضع في القلب منه تاريخ أرضنا فلسطين، ونُعلمه لأولادنا ونغرس لديهم أن هذه هي قضية المُسلمين والعرب الأولى، وأن بتحرير القدس وكامل فلسطين وعودتها كاملة للأمة الإسلامية والعربية هو عودة لكرامة وعزة هاتين الأمتين وشعبيهما وعودة لمجدهما ودورهما القيادي بين الأمم والذي لن يعود إلا بهذا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد