في قديم الزمان توفي رجل ثري في بلدةٍ بعيدة عن بلدته وكان له أبناء، فوصلهم خبر وفاة أبيهم وحدد ابنه الأكبر يومًا لإقامة مراسيم العزاء، ولكن إخوته لم يرضوا بذلك وطالبوا بتقسيم الميراث قبل كل شيء. قال لهم الأكبر: انتظروا إلى أن نفرغ من مراسيم العزاء فرفضوا ذلك مرة أخرى وقالوا: بل نقسم الورث اليوم. فقال: ماذا سيقولون الناس عنا إذا لم نصبر؟ ورفض مطلبهم.

ذهبوا الأخوة الذين اتفقوا على تقسيم الميراث قبل كل شيء إلى قاضي البلدة، وأقاموا الدعوة على الأخ الأكبر، فأصدر القاضي أمرًا لحضور أخيهم، وعندما بلغ الأخ الأكبر ذلك أخذ يفكر ماذا يفعل؟ فذهب اإى أحد حكماء وعقلاء البلدة واستشاره في الأمر بعد أن سرد له قصته، فقال له الحكيم: اذهب إلى فلان سوف يفتيك بما لم تحط به علمًا. فقال الأخ الأكبر: ماذا دهاك؟ أتقول لي أن فلان المجنون هو من سيعطيني الحل؟ كيف سيحل هذا المجنون مشكلة عجز عن حلها العقلاء؟ فقال الحكيم: اذهب إليه، لن يفتيك غيره.

ذهب الأخ الأكبر إلى المجنون وبعد أن سرد عليه القصة قال له المجنون: إذا وقفت وأخوتك أمام القاضي، قل لأخوتك: هل عندكم ما يثبت أن أبي قد مات؟ فبهت الأخ الأكبر بما قال المجنون له وقال الجملة الشهيرة: خذ الحكمة من أفواه المجانين.

وفي أحد اجتماعات زعماء الدول العربية الحديثة قام زعيم من بينهم لطالما نعتوه بالجنون، وقال: هل ستبقى هذه الأمة مشلولة هكذا؟ إخواني لا بد أن نستفيق نحن في خطر، فعلًا نحتفل اليوم بأن تونس دولة مستقلة والجزائر ولله الحمد بعد هذا العذاب مستقلة وليبيا كذلك، ولكن لا نضمن غدًا هل سنبقى مستقلين أم لا. هل سنكون مستعبدين؟ لأن هذا العالم لا يعترف بالحق، هذا العالم يجبر بقوته على الاعتراف بأي شيء. أليس فلسطين لديها حق؟ أليس لدى الشعب الفلسطيني حق في أرضه؟ هل هذا العالم يعترف بذلك الحق؟ من الذي سيبقى في فلسطين؟ سأجاوب عنكم الذي سيبقى في فلسطين هو الأقوى، والذي يقدر أن يدفن الفلسطينيين أحياء، احذروا فلن يتوانوا في تدميركم إذا وجدوا فيكم ضعفًا أو ثغرة، لن يراعوا فيكم إلا ولا ذمة.

كيف سيكون التعاون بيننا وبين أوروبا إذا كنا ضعفاء وهم أقوياء؟ هم يريدون لبلادنا العربية أن تبقى سوق استهلاكي ضخم يستوعب ويستهلك ما ينتجونه من نفايات إلى بلداننا، ولا يريدون أن تكون لدينا قوة صناعية كبيرة حتى لا نستطيع أن نستفيد من ثرواتنا مثل النفط والغاز وغيرها من المواد، وبالتالي يأخذون هم هذه المواد لاستخدامها في الصناعة، ومن ثم يبيعونها علينا، يريدوننا فقط أن نبقى سوقًا استهلاكيًّا، ومنطقة مناورات، وإذا قامت الحروب عندنا سيضعون أيديهم فيها لكي يستولوا على مضيق جبل طارق، وباب المندب، وقناة السويس، وهرمز.

هذه الأمة في خطر، بلا مقاومة لا مستقبل لنا. يجب أن يجدوا فينا القوة وهذا لا يمكن أن يكون إلا بوحدتنا، وحشد البشر والإمكانات والمياه والحبوب ومياه الأمطار والمياه الجوفية والبحار والشمس وجميع الإمكانات، يجب أن نجمعها ونحشدها ليل نهار قبل أن يأتي إلينا الاستعمار مرة أخرى، أي توجه غير هذا مهلكة وتضييع للوقت وخداع، أي توجه غير التوجه الوحدوي الفوري بدون تردد ولا خوف هو دمار للمستقبل العربي والأمة العربية، انتهى كلامه.

ليتهم أخذوا الحكمة من فاه هذا المجنون، كيف سيأخذون الحكمة من المجانين وهم لا يأخذونها من أفواه العقلاء، ولكن ما أردت قوله لهم: «وما صاحبكم بمجنون». وأقول للقذافي بعد أن فات الأوان لا تشكو للناس همًّا أنت صاحبه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد