في بداية عام 2011، بينما كانت تونس والقاهرة وطرابلس ودمشق وحتى الرباط وعمان تضج بالمسيرات والاعتصامات مطالبة بالإصلاح تارة وتارة أخرى بالإطاحة برأس النظام، كانت العاصمة الجزائر تشهد هدوءًا مثيرًا للتساؤل، سنحاول في هذا المقال استكشاف هذا الاستثناء الجزائري؛ حيث إن إلقاء نظرة على هذه الأحداث في سياق التاريخ الجزائري المعاصر كفيل بالإجابة عن هذا التساؤل.

 

قد تبدو الجزائر منفصلة عن المكان وما يحدث به، ولكنها متصلة وبشدة بالزمان، وما تعلمته منه.

 

ربيع قبل آوانه.. أكتوبر 1988: بعد خطاب أكثر من عاطفي بكى فيه الرئيس الشاذلي بن جديد ثالث الرؤساء الجزائريين أمام الملايين من المشاهدين مباشرة على التلفزيون، وعقب انتفاضة شعبية مفاجئة شملت كل المدن الكبرى دون تخطيط ودون قيادة، فمعظم من شارك فيها لا تفوق أعمارهم العشرين سنة، بدأ الربيع الجزائري.

أعلن الرئيس إصلاحات واسعة، سياسية واقتصادية، أهمها:

كتابة دستور جديد للبلاد.
تفكيك رقابة الحزب الواحد على أجهزة الدولة.
حرية تشكيل الأحزاب والجمعيات.
حرية الصحافة وإصلاح مؤسسة التلفزيون لتعكس تعدد الآراء داخل البلد.
رفع القيود عن القطاع الخاص والمبادرة الشخصية في الاقتصاد.

 

عرفت هذه الفترة ازدهارًا للعمل السياسي والثقافي؛ فتأسست الأحزاب السياسية التي بلغ عددها الستين حزبًا، كما تضاعف عدد المطبوعات والصحف من 4 صحف حكومية إلى 110 صحيفة مستقلة بين يومية وأسبوعية بمختلف اللغات.

تم تنظيم انتخابات محلية حرة ونزيهة، أسفرت كلها عن تقدم كبير لحزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ، والبقية يعرفها الجميع.

 

تحت تهديد السلاح أرغم مجموعة من كبار قادة الجيش الرئيس الشاذلي بن جديد على تقديم استقالته للحيلولة، دون استمرار الانتخابات النيابية التي كانت ستفوز بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ.

 

من جهتها اعتبرت قطاعات عريضة داخل الجبهة الإسلامية طوال السنة التي سبقت الانقلاب أن اللحظة الثورية قد آنت، وأنه صار بالإمكان الوصول للحكم عبر خليط من الثورة الإيرانية وحرب الاستقلال.

 

سيدخل هذا الانقلاب البلاد في دوامة من الاقتال الأهلي ستدوم أكثر من عشر سنوات مخلفة 200.000 قتيل، و7000 آلاف مفقود، وأضعافهم من الجرحى والمشوهين والأيتام والمهجرين والمغتصبات.

على مستوى الجماهير
يعد منع تكرار مثل هذه المقتلة أكبر هاجس يسكن الشعب الجزائري، فقد ولد ولديه نفور من العمل السياسي أو المشاركة السياسية، كل أرقام المشاركة في الانتخابات تؤكد هذا.

 

حتى العمل الأهلي ناله نصيب كبير من هذا العزوف؛ فنجد في الجزائر ضعفًا كبيرًا في ما يسمى المجتمع المدني، رغم هامش الحرية الكبير الذي تمنحه الدولة للجمعيات. مجتمع يتعافى تدريجيًّا من آثار الصدام العنيف في الماضي القريب.

 

 وعلى المستوى السياسي 
سنلاحظ غياب اللهجة الحادة، والخطابات المستقطبة، والميل إلى التفاهمات، والحلول الوسط، والتأكيد على سلمية أي حراك معارض للدولة.

 

في مقابل انكفاء للخطاب الاستئصالي (من اليسار أو اللبراليين أو كبار قادة الجيش) الصادم لمعتقدات الناس وغياب شبه تام للاستفزازات الصحفية، أو حتى حالات التمييز تجاه المتديين، وعند الإسلاميين الديمقراطيين تغيب المطالبة بالدولة الإسلامية لصالح مطالب كالحكم الرشيد ومكافحة الفساد.

 

وعلى المستوى الأمني
انخفض بشكل كبير عدد المنتسبين للجماعات الإسلامية المسلحة منذ 2001 وحتى 2005، وهو تاريخ العفو الشامل، وسلم معظم عناصرها أسلحتهم، وعادوا إلى صفوف المجتمع مستفيدين من مشروع المصالحة الوطنية، وتم تعويض الكثيرين منهم. وإلى يومنا هذا يمكن لمن يسلم سلاحه بوساطة أهله أن يستفيد من هذا البرنامج.

وعند ما تبقى من هذه الجماعات هناك وقف لاستهداف المدنيين أو الأماكن العامة، بينما عرفت البلاد في المقابل تغير عميق في تعامل المؤسسة الأمنية مع الإسلاميين أو عامة الشعب، حتى نلاحظ زوال حالات الخطف والعقاب الجماعي، أو اتخاذ الرهائن، أو الاعتقال اللا محدود على ذمة التحقيقات، أو التعذيب المعمم، كما انتشرت الحالات التي ينتصر فيها القضاء للمواطن العادي ضد ضابط الشرطة.

 

البعد الاقتصادي
لا يمكن لأحد إنكار تحسن الوضع الاقتصادي للبلاد في العشرية الماضية. بفضل ارتفاع أسعار المحروقات تمكنت الدولة من سداد دينها الخارجي كلية، متخلصة من الوصاية التي مارسها صندوق النقد الدولي طيلة العشرية السوداء، ومكنها من استعادة الكثير من القطاعات الحساسة التي تم خصصتها وقت الشدة، كما أصبح لديها احتياطي صرف يضاهي احتياطات كبرى الدول النامية.

 

هذا ما يمنح الدولة سعة كبيرة في التعامل مع المطالب الفئوية التي يمكن أن يتم استرجاعها من أي حراك سياسي، ورغم الفساد المستشري وقضايا السرقة التي تطفح بها الصحف يوميًّا، فهناك تحسن حقيقي في حياة الناس إذا ما قارننا مع فترة التسعينات، فكانت البلاد تئن تحت وطأة برنامج الإصلاح الهيكلي، وكانت أجور الموظفين تتأخر أحيانًا لسنة كاملة، وكانت المصانع تغلق ويتم تسريح عمالها.

 

مشهد مشتت
ما ذكرته سابقًا لا يعني أننا نعيش في سوسيرا، أو في حالة من نهاية التاريخ تزول فيها المطالب الاجتماعية أو السياسية في دولة من الدول، ما يحدث هو أن السياق السابق جعل من الصعب تضافر القوى التي يمكن أن يأتي منها التغيير المباشر، وهي:

 

المطالب الفئوية أو تلك المتعلقة بتحسين الظروف المعيشية.

 

النزعات العرقية والجهوية التي تخترق المجتمع وأطراف البلاد المترامية.

التهديد الذي تمثله الجماعات الإسلامية المسلحة المستفيدة من غياب السلطة في دول الجوار.

 

التاريخ يستمر
لفترة طويلة شكلت صدمة حرب الاستقلال حافزًا إيجابيًّا نحو نبذ الخلافات والمضي قدمًا نحو بناء الوطن الناشئ، وأحيانًا سلبيًّا بتحييد أي نقاش جاد حول طبيعة النظام أو الهوية الوطنية قرابة الثلاثين سنة، وهي فترة كافية لنشوء جيل لم يشهد عنفًا، كذلك اليوم تقوم الحرب الأهلية الماضية بنفس الدور المحيد الذي تنتهي عنده كل النقاشات حول صيغ الحكم، أو مكافحة الفساد، أو المطالبة بتداول للسلطة، ترى هل علينا الانتظار جيلاً كاملاً لرؤية حراك من جنس ما سمي الربيع العربي؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد