مراجعه لكتاب ” الإسلاميين والعسكر، سنوات الدم فى الجزائر” محمد سمراوي

في ظل غياب تأريخ حقيقي لتجارب الإسلاميّين، وفي ظل تَكبُّر الإسلاميّين المعتاد تجاه مراجعة وتقييم تجاربهم السابقة، تأتي هذه الشهادة من جانب العسكر أنفسهم، شهادة تستمدُ أهميتها من نُدرة المصادر التي تتكلم عن هذه التجربة، كما تستمد أهميتها من أهمية كاتبها محمد سمراوي نفسه، ضابط المخابرات السابق، وهذا يعطي لكتاب “الإسلاميّون والعسكر” أفضلية على كتاب “الحرب القذرة” الشهير، فسمراوي أكثر اطلاعاً على دوائر صنع القرار بحكم منصبه، بعكس حبيب سواعدية صاحب شهادة “الحرب القذرة” الذي كان ضابط مظلات وشهادته تركز على الجانب العمليّاتي بالدرجة الأولى، بينما شهادة سمراوي تلقي ظلالاً على الاستراتيجيات ونمطية التفكير والمخططات الكبرى.

 

هذا الكتاب الذي زينته ترجمة د. عومريّة سلطان، ويأتي في 348 صفحة من القطع المتوسط، يكشف تآمر العسكر الجزائري إبان آواخر الثمانينات والتسعينات، بداية من إيقاف المسار الانتخابي نهاية بالعشرية السوداء، ويمكن اعتبار الكتاب “مانيفستو” العقلية العسكرية في التعامُل مع التيارات الإسلاميّة السياسية أو الجهادية، حيث تتشابه العقلية الأمنية بشدة مع مثيلاتها في مصر وفي سائر الدول العربية، فما تستخلصه من الكتاب حول عقلية العسكر هو السمة العامة لكل الأنظمة ما بعد الكولونيالية (ما بعد الاستعمار)، وهذه الدلالات لا تعني سوى أن هؤلاء الحكام هم امتداد الاستعمار أو هم “الاستعمار الجديد”، حيث يستمر الاستعمار كنمط ونظام حكم بعد رحيل المُستعمِر برعاية الجنرالات والساسة الذين سمّنهم المُستعمِر ورباهم في حظيرته.

 

“الحرب التي يخوضها الجيش الجمهوري اللائكي ضد مجانين الله”

هذا الاقتباس من الكتاب يلخص الموقف بعبقرية، حيث علمانية الجزائر “لائكية”، علمانية في صميمها تعادي الدين وهي امتدادٌ للثورة الفرنسية، على خلاف علمانية “السيكيولار” التي توظف الدين وتستخدمه وهي امتداد للثورة الصناعية الأنغلوسكسونية (إنجليزية – أمريكية).

 

كما يُظهِر الكتاب بعض ملامح العقلية الإسلامية، والتي – ياللعجب – تتشابه هي الأخرى مع مثيلاتها في أغلب أنحاء العالم العربي، لا نقصد بالتشابه هنا التشابه الحتمي الناتج عن استمداد منهجيتهم من التشريع الإسلامي، فهذا تشابه طبيعي باعتبار الأيديولوجيا المشتركة حاكمة على التنظيمات هنا، ولكن نقصد التشابه في نمط التفكير وآليات العمل وطرق التصرف وشكل الاستجابة لنفس الظروف، والذي يلقي بالظلال على تساؤلات مثل : هل هناك علاقة تبادل أثر بين العسكر والإسلاميّين ؟ وهل هذه التيارات التي نشأت بدايةً معادية للحداثة تم استيعابها داخل منظومة الحداثة نفسها ؟

 

الأمر البارز في هذه الشهادة هو أن العقلية الأمنية نفسها حاضرة لدى المؤلف، محمد سمراوي، الذي يعتبر نفسه ضابطاً شريفاً استقال نتيجة إجرام العسكر، فالنُسُق العسكري التقليدي حاضرٌ بقوة؛ حيث تبرير الأفعال حاضر دائماٌ، والتقديس المطلق للدولة، والولاء للحزب الواحد، والمعاداة الفطرية لأي محاولة تغيير من خارج نسق الدولة، والجهوزية الدائمة للتدخل السياسي، حتى النظرة للتغيير والإصلاح هي نظرة عسكرية دولتية بامتياز، وهذ يعني – في نظري – أن مبدأ وجود جهاز أمن سياسي هو فسادٌ في حد ذاته.

 

هل الإسلاميّون لا يقرأون التاريخ ؟

بغض النظر عن إجابة هذا السؤال، فالإسلاميّون تحديداً لديهم هوس بتجربة الجزائر، ورغم هذا فهم لم يستفيدوا من تجربة الجزائر سوى الهلع من فكرة التغيير بالقوة، حسناً، ماذا عن الانتخابات ؟ ألم تكن جزءً من تجربة الجزائر ؟ ألا تستحق الهلع هي الأخرى ؟ ماذا عن السذاجة ؟ الجعجعة الفارغة ؟

 

ختاماً؛ الكتاب هام، الترجمة ممتازة، تصميم الغلاف رائع، لديّ تحفظ على نوعية الورق مقارنةً بسعر الكتاب، إجمالا هي تجربة قراءة جيدة جداً.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد