بسم الله الرحمن الرحيم

الإجابة الجزائر

ظل مشهد بوتفليفة الرئيس الجزائري وهو يدلي بصوته فى الانتخابات الرئاسية الأخيرة للجزائر عالقًا في ذهني لا أستطيع محوه من مخيلتي، الرجل يدلي بصوته من فوق كرسي متحرك حتى هنا ليست هناك مشكلة، ولكن المشكلة أنه مرشح رئاسى لولاية رابعة، والمشكلة الأكبر أنه فاز في هذا الاستحقاق الانتخابي بنسبة 81%! ألم يستوقف هذا المشهد أيًا ممن تابعه إلا أنا؟ بلد المليون شهيد فى حرب التحرير العظيمة ضد المستعمر الفرنسى الذي كان يعتبر الجزائر درة مستعمرات أفريقيا بالنسبة له يختار رجلًا قعيدًا لرئاسة الجزائر هذا الشعب الثائر الغاضب بطبعه يصل إلى حد استكانة بأنه يختار رجلًا لا يستطيع الذهاب إلى دورة المياه بمفرده رئيسًا، ومتى؟! فى 2014 حيث المنطقة المحيطة كلها تموج بنيران الثورة ورياحها العاتية، ولكن للإجابة على هذا السؤال لابد أن نعود إلى أواخر الثمانينات وبداية التسعينات في هذا البلد.

فى أواخر الثمانينات تحت ولاية الشاذلى بن جديد كرئيس جمهورية للجزائر بدأت المتلازمة الشهيرة للبلاد العربية ازدهار الحركة الإسلامية فى عصور الانحطاط الاقتصادي والفكري ظهر الضغط الإسلامي الذي أسفر عن ظهور الجبهة الإسلامية للإنقاذ بقيادة عباس المدنى وعلى بلحاج، والتى اكتسبت مؤيدين بشكل وبائي، ودخلت في الاستحقاق الانتخابى للبرلمان الجزائري فى عام 1991، وماحدث بعد ذلك كان بداية الطامة الكبرى؛ تم سحق الحزب الحاكم بمعنى الكلمة أمام هذا الحزب الوليد، وكان الذهول الذي ألجم ألسنة كل القيادات في الدولة، والتي اتخذت خطوات كارثية؛ فقد ألغيت الانتخابات البرلمانية، وتم فرض حالة الطوارىء في طول البلاد، وتم اعتقال عباس المدني وعلى بلحاج، واستقال الشاذلى بن جديد ليحكم البلاد مجلس أعلى للبلاد بقيادة محمد بو ضياف، رجل نظيف اليد، والقادم من المنفى ليقود البلاد، وبعد ذلك تأخذ البلاد أكثر المنعطفات خطورة فى تاريخها الحديث؛ فقد تم اغتيال محمد بو ضياف على مرأى ومسمع من الناس، وهو يخطب فيهم، على يد واحد من حرسه الشخصيين، وقد اعترف أنه متعاطف مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ، لذلك فقد اغتيل بو ضياف.

من يقتل من؟! هذا السؤال ظل يتردد على الألسنة طيلة فترة التسعينات من قبل الجميع خارج طرفى النزاع الحكومة الجزائرية تؤكد أنها تحارب الإرهاب. والإرهابيون هم من يقتلون الصحافين والمدنيين، وبالطبع وحدات الجيش النظامي، والتيار الإسلامي أعلن الجهاد على الحكومة لخروجها عن النسق الديمقراطى وحرمانها من السلطة، ومن بين هذه الادعاءات تم قتل أكثر من 200 ألف جزائري من فترة 1993 إلى 2000، وهناك الكثير من المفقودين لم يتعرف أحد على مكانهم حتى الآن.

تبين لى أن الجزائر لا تملك جيشًا.. ولكن الجيش يملك الجزائر

عام 2000 خرج إلى النور كتاب الحرب القذرة، مكتوب بالفرنسية فى قلب عاصمة النور، لرجل المظلات السابق حبيب سويدية، أقل ما يقال عن أثر هذا الكتاب أنه زلزال فى الأوساط السياسية الجزائرية والفرنسية.

حبيب سويدية قدم شهادة صاعقة عن فترة خدمته في القوات الخاصة الجزائرية، مفادها أن كل ما حدث كان مدبر ومعد من قبل قيادات في الجيش، رحى الحرب هذه كان معد لها أن تدور وتطحن عظام الجزائرين لأكثر من عشر سنين، شهادات عن اعتقال وتعذيب وقتل خارج القانون، ليس للإرهابين وفقط، ولكن الطامة الكبرى هي قتل المدنين العزل وإحراق ممتلكاتهم وإلصاق التهمة بالإرهابين تهاون في إنقاذ وحدات من الجيش تحت وطأة هجوم إرهابى حتى يتم القضاء عليها عن بكرة أبيها والمتاجرة بصور شهدائها في الإعلام الجزائري والغربي.

تم الحكم على حبيب سويدية بالإعدام عام 2002 من قبل المحاكم الجزائرية؛ لأنه مارس القتل خارج القانون إبان فترة خدمته بناء على شهاداته في كتابه، وتم رفع دعوة قضائية من قبل الجنرال المتقاعد خالد نزار أمام المحاكم الفرنسية وتقديم شهادات ممهورة من قبل إرهابيين تائبين أن حبيب هو من كان يمارس تلك الفظائع التي تحدث عنها، وشهد كتاب الحرب القذرة حربًا أخرى قذرة على مؤلفه، إن دلت على شيء، فإنما تدل على صدق شهادته، وقربها من شيء، حرص الكثيرين على طمسه وإخفاء هوية من قام به.

نعود إلى السؤال الأهم: لماذا حدث كل هذا؟ لماذا عندما تلوح الديمقراطية في الأفق لأي بلد عربي يحكمه طاغية يتم التلويح بكارت الإرهاب الإسلامي؟ كيف تم تكوين الجبهة الإسلامية للإنقاذ بهذه السرعة؟ وكيف كسبت هذا الزخم على الأرض؟ماهية تكوين فرق موت بقيادة خالد نزار شخصيًا، وزير الدفاع إبان هذه الفترة؟ مهمتها الوحيدة القتل وإدخال الخبال واللغط في هذه الحرب التي لا نعرف من فيها يقتل، من ولأجل ماذا؟ طرفا الصراع في الأخير جلسوا على مائدة واحدة وأيديهم الملطخة بدماء الجزائرين، تصافحوا وكتبوا ما يعرف باسم معاهدة الوئام الوطني، وتم عمل استتابة للإرهابيين وأعطوا مصادر للرزق، ولكن في الحقيقة هم أعطوا قبلة حياة للعودة حتى تحين لحظة أخرى تلوح الحرية والديمقراطية في الأفق؛ فيتم الدفع بهم إلى الصورة ودفع البلاد إلى ذلك النفق المظلم الذى لا يتورع أي من الطرفين أن يخوض غماره مرة أخرى، وبنفس الكيفية وبنفس الضراوة الإجابة تراها في مشهد بو تفليقة وهو يحكم الجزائر على كرسي متحرك، نعم هي كانت حرب كسر إرادة، تم كسر إرادة الشعب الجزائري الذي كان يبحث عن الديمقراطية، بحثًا عن التعددية، عن هزيمة الحزب الواحد، فأدخل في حرب ضاع فيها ما يزيد عن 200 ألف جزائري؛ مما جعلهم يؤثرون السلامة، ويرضون بما يقدم لهم من طعام، وحتى وإن كان حامضًا، ويقبلون برئيس حتى ولو كان على كرسي متحرك.

ولماذا الإجابة هي الجزائر؟ هي الإجابة على كل ما يحدث فى مصر من تخبط وسوء إدارة وغلو للأسعار واعتقال وقتل خارج القانون وحرب بلا هوادة، فى سيناء ضاع فيها الكثير من أبنائنا، ماحدث في الجزائر هو ما يحدث في مصر، جيش يملك مصر، وإذا حاولت أن تخرج من تحت عباءته يتم التنكيل بالشعب والتلويح بكارت الإرهاب، ويتم بث فوضى في أرجاء البلاد. لا تعلم من السبب فيها.

ما يحدث فى مصر هو طعام يطهى لرجل لم يأت بعد، لرجل مثل بوتفليقة، سيحكم مصر حتى يموت، وإن كان على كرسي متحرك، ولكن المهم أن يكون من رجال الجيش الموثوق بهم والمرضى عنهم، والأهم أن يتم قتل فكرة التعددية، وانتقال السلطة بشكل ديمقراطي، وألا تكون للشعب إرادة حقيقية، وألايملك قراره فعلًا.

ظلت الإجابة طوال فترة الثورة في مصر هي تونس، أملًا في أن نسلك طريقها، ولكن على ما أعتقد أن من يدير البلاد كان يخطط لمصير آخر، ويكتب إجابة أخرى، نعم للأسف، الإجابة هي الجزائر، وليس تونس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد