من عاصمة الأنوار باريس أراد أن يبعث رسالة رومانسية يتغزل فيها بشعب الجزائر المسلم الأبي، أراد أن يحيي العشق الذي من المفترض أن يكون ممنوعًا.

في خرجة فريدة من نوعها قام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالتقدم لأرملة السيد موريس أودان، والذي يعد أحد أبطال الثورة الجزائرية المباركة، والذي خلد اسمه في أذهان الجزائريين، وتعبيرًا عن امتنانهم له على ما بذله تجاه الثورة، ووقوفه بجانب القضية العادلة، سميت إحدى أرقى الساحات بالعاصمة على اسمه. وقد قدم اعتذاره فيما يخص تعذيب هذا البطل وقتله، والذي نعتز به حتى وإن كان اسمه موريس، على حد تعبير أحد السياسيين في الجزائر، نحن كجزائريين لا ننكر الجميل؛ فقد علمنا ديننا الحنيف أن نقول للمحسن أحسنت، وللمسيء أسأت، وأن من شيم الرجال الاعتراف بالجميل وتخليده.

هذا التصرف من الرجل الأول في فرنسا هو محسوب عليه لا له؛ إذ إنه ولو بدا تصرفًا حسنًا، وتعاطفًا مع الضحايا، واعترافًا بنوع من جرائم الحرب الفرنسية، والتي كان أغلب ضحاياها ممن يحملون الاسم العربي، وممن ينتمون لدين الإسلام، وممن بقوا على ثوابتهم وحافظوا على هويتهم وحرروا بلدهم من وطأة المستعمر الغاشم، إلا أن في طيات هذا التصرف إهانة نكراء بالدرجة الأولى لكل المسئولين الجزائريين، وبالدرجة الثانية للشعب الجزائري. إن هذا التصرف ناتج عن حقد صليبي ضد كل ما هو إسلامي، وإن هذا التصرف ليس غريبًا عن فرنسي، فلو كان للعنصرية وطن لكان فرنسا.

إن ملف الذاكرة موضوع شائك يتحاشى الساسة من بيدهم الحل والعقد الخوض فيه؛ نظرًا لبعض الأسرار التي يجب أن تبقى في طي الكتمان، وهذا ما يزيد الطين بلة؛ فكلما طالت هذه الحكاية زاد حنق الجزائريين على قادتهم. وإذا كان آخر رئيسين لفرنسا قد استقبلا استقبال الأبطال أثناء زيارتهما للجزائر؛ فليس معنى هذا أن الشعب الجزائري يحب فرنسا أو رؤسائها، أو يذوب عشقًا في بلدهم ومواطنيهم، بل هو سلوك ناتج عن مقت الشعب الجزائري لقادته وساسته، وتعبير عن سخطه عنهم ليس إلا.

وإن الجزائريين الذين نراهم يرتمون في أحضان فرنسا ليس إلا هروبًا من الساسة المتسلطين، وما عانوه من استبداد وظلم وقهر، وما وصل بهم الأمر من مر العيش على هذه الرقعة من المعمورة، بعد أن ضاقت بهم أوطانهم، وبعد أن مسحت بكرامتهم الأرض، وبعدما لم يجدوا من يقدر كفاءتهم، ووجدوا أن سياسية الترقية لا معايير واضحة فيها، وأن حسبك ونسبك هو أساس التعامل معك، فهم يتغربون في فرنسا المتمدنة لا فرنسا الكلونيالية، وهم يتغربون لفرنسا التي تقيم العدل، ويتغربون لفرنسا التي توظف على أساس الكفاءة، ويتغربون لفرنسا التي تحترم عقولهم.

في النهاية فرنسا هي الفائز الأكبر من هذه المشاكل والأزمات؛ فازدواجية مواقف المسئولين وضبابيتها من ملف الذاكرة ومن التعاملات مع فرنسا، لا على أساس الشراكة، بل على أساس التبعية من جهة، ومن تأزم وضع النخبة في الجزائر من جهة أخرى، ولهذا يمكننا القول إن لنظام الحكم في الجزائر علاقة ود، ولنقل علاقة هيام في كل ما هو فرنسي، في حين أن فرنسا تجعل من الجزائر إما حقل تجارب مثل ما حدث في رغان من خلال التجارب النووية، والكثير الكثير مما علمنا ومما لم نعلم، وإلى غاية كتابة هذه الأسطر والكلمات، أوجه رسالة لماكرون وأعوانه في الجزائر: إن الجزائر وطننا، وإن العربية لغتنا، وإن الإسلام ديننا، وإن لنا تاريخًا نستمد منه انتماءنا، وإن من أراد أن يساومنا في هذا أو أراد محو هذا، وإن من سولت له نفسه المساس ولو بشبر من أرض الجزائر، كنا له بالمرصاد، وإن الإسلام والوطنية هما اللذين يفرضان علينا الاستماتة في الدفاع عن هذه القطعة القدسية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد