لا بد للحراك الشعبي في الجزائر أن ينجلي، وتنقشع الغمامة التي يستظل بها الشعب كل يوم جمعة، ويوم الثلاثاء المخصص للطلبة كونهم الشريحة الوحيدة الصامدة عن غيرهم من المحامين والقضاة والمعلمين والأساتذة… إلخ.

بالرغم من الزخم الذي ما زال يملأ الشوارع في الجمعة الثلاثين، وبقاء جزء كبير من مطالب الحراك معلقة بعضها وأخرى، تم الصد عنها بالرفض من قِبل مَنْ يتولى الحكم حاليًّا، وأبرزها رحيل الحكومة المرفوضة، ورحيل رئيس الدولة المنتهية مدته دستوريًّا،إلا أن قائد الأركان الفريق «قايد صالح» أبى إلا أن يَفرض اقتراحه عنوة على الشعب، وهذا بتحديد مسارين لا سواهما؛ إما مع اقتراحي، أو أنتم مع العصابة، العصابة التي خرج الشعب للفظها واقتلاعها من جذورها!

قد سبق للشعب أن أسقط استحقاقين انتخابيين، وما كان على السلطة إلا التراجع والتريث حتى تستعد أكثر، بحيث شهدت الجزائر حركة واسعة من تعيينات جديدة في سلك القضاة والأمن والولاة… إلخ، وكذا تم ترويض الإعلام والصحافة لتكون أبواقًا تنعق نعقًا ما عهدنا به من تبجيل وتطبيل، إعلان لجنة للوساطة والحوار بقيادة رمز من النظام السابق، ولجنة لمراقبة الانتخابات برئاسة رمز كان وزيرًا للعدل، ومستشارًا للرئيس المخلوع، فهل حقًا الجزائر عاقر؟

وتزامن الأمر مع حملة اعتقالات واسعة بين صفوف المتظاهرين، ورموزه الشرسين لسببين وهما؛ خلق هوة بين معارض ومؤيد، وكذا تحطيم المعنويات الرمزية في صف الشعب، وهذا بأعذار أقبح من الذنب، فهل يعقل لشخص أعزل لا يملك إلا الحنجرة أن يحبط معنويات مؤسسة تمتلك من القوة ما يجعلها القوة الأولى في المنطقة؟ مَنْ يحبط الجيش هو من يضعه في كفة بندية مع متظاهر بسيط.

قررت السلطة الحاكمة في الجزائر فرض انتخابات رئاسية ثالثة، المقررة في 12 من ديسمبر (كانون الأول) 2019 لتكون باب الخروج من الأزمة، والانسداد الذي خلفه السلف وبعض الخلف، بحيث تم الإجهاز على كل شيء يُسمى المعارضة، وتمت شخصنة الدولة بما فيها، وأي معارضة للحاكم الفعلي هو تآمر على الدولة، وهو ما يماثل الاستبداد بحذافيره، والشيء الذي يدعو للشك عمليًّا ونظريًّا هو: كيف لمؤسسة تربت على البيروقراطية أن تكون ديمقراطية؟ وكيف لمن أُنشئ لهدم الدول في الحروب أن يبني الدول؟

قد نرى صورة الجزائر مستقبلًا إذا ما تم تمرير الانتخابات المقررة في 12 ديسمبر 2019 وهي كالتالي:

– مشاكل اقتصادية خلفها الحراك الشعبي؛ نتيجة تعطيل عمل الدولة لبعث الندم في نفوس الشعب، لكي لا تحثهم نفسهم مرة ثانية للخروج في المظاهرة.

– مشاكل أمنية مكثفة عبر توسيع دائرة اللاأمن لاستعادة رجاء الشعب بالسلطة، بعدما انفصلت لقرابة عام وأصبحت موضع سخرية.

– حملات إعلامية لتلميع أوجه الفساد من النظام البائد، ويسبق ذلك عفو رئاسي عن كل المعتقلين البريئين منهم والمذنبين.

– التركيز المكثف على المشاكل الاجتماعية بتسخير الإعلام لسبر أغور الأسرار الاجتماعية، لجعل المشاهد في موضع تلق لا تفكير.

– الحديث عن هفوات الماضي، وتمجيد الشعب على جرأته في تغيير الوضع رغم أنهم سلبوا إرادته.

– محاولة احتواء الشعب بخطاب سياسي أجوف لا يزيد إلا فرقة وهوة إِمّا عرقيًّا، أو دينيًّا، أو فكريًّا؛ لخلق عدو كما العهد بالنظم العربية كافة.

وعلى هذه الحال تسير الجزائر في مجهول حتى يعاد ترتيب العصب داخل الحكم، وضبط العلاقات المؤسساتية والشخصية من زاوية الهيمنة بالطبع، فلا يمكن للدستور أن يصلح الوضع ما دام حبر على ورق يمكن بجرة قلم حذف وتعديل ما يشاء له أن يعدل، إضافة أن ليس للشعب دور في صياغته، ولا حتى التأثير على مُشرّعه، وبهذا نكون قد أخذنا منعرجًا للعودة نحو الصفر، إضافة إلى أن السلطة سلكت طريقًا ارتجاليًّا ولا تعرف مفاجآت هذا المسلك.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد