في منتصف التسعينيات، وضعت الجزائر مخطط العمل الوطني ضمن مسار التنمية المستدامة. وشملت تدابير تخفيف الانبعاثات قطاعات الطاقة والصناعة والنقل والنفايات.

وكانت الجزائر منذ أوائل الثمانينيات تبنت سياسة طاقوية تتضمن اعتماد مصادر أنظف. من ذلك ترقية استعمال «سيرغاز» وقودًا بديلًا، وتجديد مركبات تمييع الغاز الطبيعي، وربط 20 قرية في أقصى الجنوب بالطاقة الشمسية. وسعت إلى تحرير نقل المنتجات المكررة وتوزيعها، مع إنشاء مؤسسات للمراقبة والضبط وإدماج القطاع الخاص.

وركز مخطط العمل الوطني على الصناعة البتروكيميائية والإسمنت وإنتاج الأسمدة والحديد والصلب، وإدخال تكنولوجيا إنتاج أنظف تقوم على تدوير استعمال النفايات الصناعية واستبدال بعض المواد الأولية في عملية التصنيع.

ولما كان النقل من القطاعات الرئيسية التي تساهم انبعاثاتها في الاحتباس الحراري، يشجع مخطط العمل على تجديد المركبات للحد من التلوث، وتعميم المراقبة التقنية، وترويج استعمال الغاز الطبيعي وقودًا أنظف، وتنظيم حركة المرور في المدن وخارجها.

ويساهم قطاع النفايات في إنتاج غاز الميثان المسبب للاحتباس الحراري والذي له قدرة تسخين 21 مرة أكثر من ثاني أكسيد الكربون. ولهذا ينص مخطط العمل الوطني على إنشاء مطامر عمومية مراقبة ومتخصصة. ويتم تشجيع المشاريع الصناعية لاسترجاع النفايات وتدويرها وتحويلها، وكذلك إنشاء محطات لمعالجة مياه الصرف الصحي.

بحلول سنة 2020، إن لم يتم الإسراع في تنفيذ الخيارات المنصوص عليها في الاتفاقية الإطارية لتغير المناخ وبروتوكول كيوتو، والالتزام بتنفيذ الخطط المتعلقة باستقرار تركيزات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، فإن العالم سيعيش أزمات حياتية واقتصادية حادة، وستكون البلدان النامية الأكثر ضررًا بحسب تحذيرات الخبراء.

ولا تستثنى الجزائر من هذا السيناريو، لأنها بدأت فعلًا تعيش أزمة شح المياه وانعكاسات زحف التصحر على المناطق الشمالية بعد أن أضرّت بالجنوب والمناطق السهبية. ولا تملك إلا أن تثبت في التزامها بتنفيذ تدابير التكيف، وأهمها تلك التي لها علاقة مباشرة بقطاعي المياه والزراعة والواجهة البحرية والمناطق الهشة (خصوصًا السهبية) والصحة البشرية.

ومن هذا المنطلق سعت الحكومة للبحث عن الطرق والوسائل للتكيف مع هذه التحديات من خلال تفعيل عدة برامج في إطار التنمية المستدامة كبرنامج الطاقات المتجددة تحضيرًا لمرحلة ما بعد عهد النفط. وقد كشفت عن خطة طموحة لإنتاج 10 في المائة من الكهرباء من موارد متجددة كالماء، والشمس والرياح بحلول2020.

كما بادرت الجزائر إلى تخصيص مبالغ معتبرة لدعم وتجسيد التنمية المستدامة في معظم مجالات الحيوية من خلال إعداد إطار قانوني صارم ومتخصص من شأنه مراقبة النشاطات المسببة للتلوث البيئي معتمدة على ثلاث وسائل؛ وضع رسوم خاصة بحماية البيئة تدفع المؤسسات لمراقبة نشاطها، وكذا فرض رسوم دولية، والاعتماد على استراتجية محكمة من شأنها ترشيد الاستهلاك الحالي للموارد البيئية، ودفع عجلة التنمية الاقتصادية. ومن جملة هذه القوانين: القانون المتعلق بالتهيئة والتنمية المستدامة 2001، القانون المتعلق بتسيير ومراقبة التخلص من النفايات 2001، القانون المتعلق بحماية البيئة في ظل التنمية المستدامة 2003، القانون المتعلق بالطاقات المتجددة وإطار التنمية المستدامة 2001، القانون المتعلق بتسيير وحماية البيئة والمساحات الخضراء. كما قامت بتشكيل مجالس وهيئات وطنية تعنى بالاهتمام بالبيئة من بينها الوكالة الوطنية للتغيرات المناخية، المجلس الوطني للتنمية المستدامة وغيرها.

كما توقع البنك الدولي أن يؤدي تغير المناخ إلى عواقب وخيمة تقدر قيمتها بمليارات الدولارات لمدن مثل الجزائر العاصمة والإسكندرية وبنغازي ولحوض نهر النيل في مصر، موضحًا أن تغير المناخ يفاقم موجات الحر ونقص المياه في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وذكر تقرير أصدره البنك الدولي بعنوان «أخفضوا درجات الحرارة.. مواجهة الواقع المناخي الجديد»، أن نقصان إنتاج المحاصيل خطر مشترك على المناطق الثلاث من العالم التي تناولها التقرير، وهي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وأمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي، وأجزاء من أوروبا وآسيا الوسطى، وقد تؤدي الضغوط المناخية على الموارد الطبيعية وما يتبعها من هجرة إلى زيادة مخاطر الصراع.

وأضاف أنه «من المتوقع أن ينخفض إنتاج المحاصيل في بلدان مثل الأردن ومصر وليبيا إلى 30% بحلول عام 2050 إذا ارتفعت درجات الحرارة ما بين 1.5 و2 درجة مئوية».

الدولة الجزائرية وفي إطار الجهود التي تبذلها للتحضير لمرحلة ما بعد النفط وسعيها الحثيث لتحقيق برنامج التنمية المستدامة، عملت وما زالت تعمل على وضع أسس واستراتيجيات تتناسب وتلبية الاحتياجات الحالية دون الإضرار بحق الأجيال القادمة، خاصة وأن الجزائر تساهم وبشكل كبير في التغيرات المناخية بسبب الغازات الدفيئة التي تنتجها الآبار البترولية في الجنوب.

يعتبر الأثر المتواصل للتغيرات المناخية منعرجًا مهمًا سيؤثر بالضرورة على بيئة واقتصاد الأجيال القادمة، فعلى المجتمع الدولي العمل على تلبية احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال المقبلة على تلبية احتياجات الخاصة من أجل تحقيق الاستدامة المرجوة في كافة المجالات الحيوية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد