في الجزائر عمومًا، وبين متتبعي كرة القدم خصوصًا، لا يختلف اثنان على أن جماهير فريق اتحاد العاصمة هي إحدى أكثر الجماهير دراية بثقافة التشجيع المحترم، وأكثرها ربما إيصالا لرسائل الشعب عبر المدرجات، حيث إن اللاعنف هو شعار وديدن أغلب مشجعي النادي، وفي كل مبارياته، سواء كانت خارج ملعبه في مختلف الولايات الجزائرية، أو خارج البلد في المنافسات الإقليمية والقارية المختلفة، أو داخل معقل الفريق في ملعبه عمر حمادي ببولوغين بالجزائر العاصمة، ولم تكن مقابلته الأخيرة خلال إياب البطولة العربية للأندية ضد الضيف القوة الجوية العراقي، والتي انتهت بفوز وتأهل المستضيف استثناءً على الإطلاق. فجماهير النادي عفوية جدًا وأهازيج أغاني، وشعارات الأنصار خلال المقابلات الدولية دائمًا ما تكون مدحًا لفرق تلك الدول، أو تمجيدًا لقادتها المشهورين دليلًا على حسن الضيافة وتعبيرًا عن فرحتهم بالزيارة، وإيصالًا لرسائل الحب والإخاء الكبيرين.

أزمة بسيطة بتهويل عظيم!

حصل ما حصل ووصلت رسالة تمجيد الراحل صدام حسين خاطئة؛ فانسحب الفريق العراقي ظنًا منه أنها كانت تقصد الإهانة، في حين أنها كانت تمجده وتعتبره – ليست هي فقط، بل كل الجماهير الجزائرية – بطلًا عربيًا قوميًا لمواقفه الخارجية المشرفة، خاصة في القضية الفلسطينية، والتي تعتبر قضية مركزية مهمة جدًا لكل الجزائريين، وموقف العداء للكيان الصهيوني الغاصب أمر مهم للغاية، فكل من كان معها وضد الكيان كان وسيظل محبوبًا لدى كل الجزائرين والعكس، كما أن صور إعدامه والتنكيل به صبيحة عيد الأضحى لا تزال في ذهن الكثيرين، في حين لم يكن الشعب الجزائري عمومًا، أو جمهور الأندية خصوصًا، طائفيًا إطلاقًا، وعلى مر الأزمنة المختلفة، سواء كان ذلك مع الإخوة من العراق الشقيق، أو غيره من دول مختلفة أخرى زارت منتخباتها وأنديتها الجزائر بمختلف الأصناف والأعمار، وفي كل الرياضات والمسابقات المتنوعة، وإن حدثت فهي لسوء فهم قد يكون هنا أو هناك ليس إلا.

الحادثة لم تمر مرور الكرام، واستغلها البعض، خاصة قلة من الصحافيين والإعلاميين، عبر الصحف والحصص، أو عبر منصات التواصل الاجتماعي، وغيرها وسائل إعلام مختلفة لإشعال نار الفتنة بدلًا عن إخمادها مباشرة، وتفننوا في صب الزيت بأشكاله على تلك النار، فالغضب ومخلفاته السلبية العديدة ماركة عربية مسجلة باسمنا نحن العرب، ولا ترجيح للعقل وتفكيره الإيجابي في مثل هذه المواقف أبدًا، والتي قد تؤدي إلى فتنة كبرى يصعب درؤها بعد حين.

العلاقة بين الجزائر والعراق أكبر من مقابلة كرة!

للجزائر والعراق الدولتين المسلمتين العربيتين تاريخ مشترك عظيم ضارب في العمق، وبين شعبيهما علاقة حب وأخوة كبيرين، لا يمكن أن تمحوه مقابلة كرة قدم أو غيرها مجالات ثانوية أخرى، والتي كانت لتكون تعزيزًا وتوطيدًا للعلاقات، لا للفتنة والتفريق بين الشعوب، فلولا الانشغال بها أكثر من اللزوم والتهويل الإعلامي الكبير لصغائر الأمور فيها لما حدث ما حدث، في شيء لم يكن حدثًا أصلًا.

الجزائريون لم يكونوا، ولن يكونوا، ناكرين وجاحدين للخير، وكانوا ولا زالوا لا ينكرون فضل العراق على الجزائر إبان ثورة التحرير، فهي التي كانت داعمة للثوار بالمال والسلاح، وهي التي كانت تستقبل وفود الضباط العسكريين للتكوين داخل أراضيها في مختلف المدارس العسكرية، وهي التي كانت تعطي للثوة بعدًا عالميًا بالدعم الإعلامي، التعبئة الشعبية والدعم في المحافل الدولية، وكان لها الموقف المشرف الأكبر بعدم الاعتراف بالحكومة الفرنسية، وقابله بعدها اعتراف مباشر وسريع بالحكومة الجزائرية المؤقتة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد