في حين تعيش الجزائر ثورة سلمية في الوطن وخارجه منذ ثلاثة أشهر تقريبًا وليس حراكًا شعبيًا محصورًا؛ لا يزال أشباه إعلاميين وصحافيين يجترون ما تروجه بقايا منظومة كالببغاء طمعًا في فتات الإشهار.. وبذلك هم يعادون الشعب – كل الشعب – في أحلك منعرج تاريخي يمر به من أجل استعادة الحق الأصيل المغتصب.

وإن ساعدت المؤسسة العسكرية الشعب الجزائري في عزل فرعون كان يخضع له العبيد؛ ولا تزال بقية العصابة تنتظر مصيرها المحتوم الذي صنعته بنفسها.. لا يحق للجيش الشعبي الوطني تحت أي ظرف أن يرافق أو يشارك في أي عملية سياسية قادمة، لكنها تظل مؤسسة مثل مؤسسات الدولة.. إن ما تعيشه الجزائر منذ الاستقلال الوطني الهش هو ممارسة المؤسسة العسكرية للسياسة دون وجه حق.. وهو ما وأد الدولة المدنية التي يحلم بها الجزائريون.. هذه هي الحقيقة.

في ضوء ما يحدث في الجزائر غداة نوفمبر (تشرين الثاني) الثاني الذي تلون بالأبيض الناصع لأنه يريد تحرير الشعب في بلده بعد ما تلون نوفمبر الأول بالأحمر القاني لأنه استطاع تحرير الأرض من براثن الاستدمار الفرنسي الغاشم الذي جثم على الجزائريين لأكثر من 132 عامًا.. لكن تم تحريف سكة نوفمبر الأول عن مسارها الحقيقي؛ حيث جاء نوفمبر الثاني يوم 22 فبراير (شباط) حين استفاق الشعب كله لتصحيح الاتجاه المعاكس.. ويظل التاريخ تاريخًا؛ وتظل الحقيقة حقيقة أمس واليوم وغدًا.

مؤشرات خطيرة – لا يكاد يصدقها الجزائريون من هولها – حين عرفوا أن عصابة تختطف الدولة الجزائرية برمتها وتوجهها حسب مصالحها إن في الوطن أو خارجه.. استيقظ الجزائريون بعد سبات عميق، عدا بعض المقاومين الذين عانوا ويلات القمع والاضطهاد والاعتقال والسجن والتعذيب والقتل وغيرها من ممارسات عصابات الحكم الشمولي التي تعتمد الحديد والنار سلاحًا في وجه المعارضين الحقيقيين لا المزيفين.

تريد الثورة السلمية للشعب الجزائري
العظيم استعادة الحق الكامل غير المنقوص في تقرير مصيره وبناء دولة الحق والعدل والقانون.. والمشاركة الفعالة في بناء الحضارة الإنسانية دون العيش عالة عليها.

يرى الثوار السلميون أن مرافقة الجيش في أي عملية سياسية في المرحلة الانتقالية التي تنادي بها بعض أحزاب المعارضة هي التفاف واضح على إرادة الشعب.

ويرى محللون سياسيون أن تلك الأحزاب تريد التموقع لأطماع ليس إلا. وأن تلك الأحزاب لم تتعلم من دروس الماضي، ولا تزال تزايد على الثوار السلميين بمرافقة الجيش حتى أنها اقترحت ثلاثة أسماء أحدهم عسكري لتسيير المرحلة الانتقالية، وهو غزل مذموم للجيش؛ لأن الجيش له دوره وفق منظومات الحكم الحديثة للدول. لماذا تشذ الجزائر يا ترى من بين الدول؟ وهو بقاء العلبة السوداء تعين رؤساء البلد.

إن الشعب لا يريد مشاركة الجيش الذي يحاول صناعة جبهة سياسية وشعبية ديكور سرعان ما تزول بموت أو عزل وزير دفاع أو قائد أركان؛ وحدث ذلك كثيرًا.. لا سيما أن الحالة ليست ديمقراطية، بل هي حالة ثورية بامتياز يقرر الشعب الحر ما يناسبه في هذا الظرف الحساس، ويضع قواعد واضحة لمنظومة حكم راشد في جزائر حرة مستقلة بجيل جديد دون تبعية سياسية وثقافية واقتصادية وتجارية وغيرها.

إذًا الثوار السلميون ليسوا قاصرين وليسوا عاجزين مثل العصابة التي دمرت البلد في جميع القطاعات، وخير دليل على ذلك ترتيب الجزائر في التصنيفات الدولية.

ولم ينس الشعب الجزائري الأذرع السياسية والمالية والنقابية والإعلامية والصحفية التي كانت تمارس الدجل والبهتان صباح مساء، وتزين القبيح للشعب، ولا تزال حتى الآن ألعوبة في يد مغتصبي السلطة والثروة والسلاح والإعلام والصحافة، وهو عبث ما بعده عبث.. يشهد العالم الحر بيانات عصب وعصابات احتلت الجزائر غداة فرحها؛ وألبستها ثوبًا غير ثوبها، وأبعدت بيان نوفمبر الخالد الذي يعبر بوضوح مستنير على بناء الدولة.

إلا أن تلك العصب والعصابات لا تزال تناور وتتآمر على شعب طيب برسائل عاطفية بعيدًا عن المسؤولية السياسية والقانونية والتاريخية والأخلاقية، وتركت إرثًا ثقيلًا تتجاذبه أجنحة سلطة لا تتوقف عن الصراع بينها لأجل مصالحها، وليس لأجل مصالح الشعب الجزائري.

يرى مراقبون أن الحلبة تضج بالمتصارعين من مغتصبي السلطة، منهم عسكريون، ومنهم مدنيون، وقد أسالت الأحداث المتسارعة لعاب كثير من المتعطشين للسلطة دون الإرادة الشعبية.. لكن الشعب قال ويقول وسيقول بملء فيه: ترحلون جميعًا دون استثناء، الشعب لم يختر أولئك ولن يختار هؤلاء.. الشعب الحر يجيد الاختيار.. وها هو يصنع تاريخًا مجيدًا بداية من الرحيل للعصابة؛ وهو ليس عنوان فيلم – كما يتصوره بعض الناس – بل هي الحقيقة دون مساحيق منذ بدأ في إبداء رأيه في الشأن العام الذي غيب عنه قسرًا.

بالشعارات يسقط الثوار السلميون كل رموز الاستعباد والاستبداد والإفساد رمزًا رمزًا؛ ويرفضون جميع قرارات مغتصبي السلطة، لا سيما طرفي الدولة العميقة التي تعتمد أسلوب إلهاء الشعب وتسعى جاهدة منذ مدة إلى تقسيم الثوار السلميين مثل عادتها حين تفتت الأحزاب والجمعيات والنقابات واتحادات الطلاب وغيرها.

حقيقة وواجبًا نريد محاكمة المفسدين؛ لكن بطريقتنا عبر قضاء مستقل شامخ عادل وفي شفافية تامة غير منقوصة؛ وبحضور وسائل الإعلام والصحافة؛ وليس الآن.. إن الثوار السلميين يدركون مراوغات العصابة التي تتخبط خبط عشواء، وأنهم لن يلدغوا من الجحر مرتين.. ويعرفون الهدف من استخدام كلمة عصابة في آخر بيان، وأن تصفية الحسابات بين طرفي الدولة العميقة لا تعني الثوار السلميين حاليًا.

الشعب حر ومطالبه سياسية؛ ولا يريد وصاية من رموز الاستعباد والاستبداد والإفساد؛ ويدرك الاستغفال والتمويه عن جرائم عصابات حكمت البلد بالاغتيالات السياسية وقهر الحريات الفردية والجماعية، وانتهاكات حقوق الإنسان، واعتقال الحقوقيين، وقمع وسائل الإعلام والصحافة، والغش وتزوير الاستفتاءات والانتخابات، وتدمير اقتصاد البلد ونهب وإهدار الأموال العمومية، ورهن القرار السياسي للخارج.

يرفض الثوار السلميون أي حكومة يشارك فيها رموز الاستعباد والاستبداد والإفساد.. في حين يرى ملاحظون أن الثوار السلميين قد يضطرون إلى اعتصامات في الساحات والميادين حتى لا ينخفض مستوى إرادات وعزائم الشعب في استرداد حقه المغتصب بعد المسرحيات التي يخرجها أعداء الحرية والعدل.

حتى في شهر رمضان الفضيل لا يزال الجزائريون يخرجون سلميين بأتم معنى الكلمة، رغم الاستفزازات والمناورات والمراوغات، وهم يؤكدون كل أسبوع أن روح نوفمبر تتجدد، وأن طريق السلمية طريق وحيد وأوحد نحو جزائر جديدة، ويثبته طلبة الجامعات كل يوم ثلاثاء بشعارات ونشاطات تبشر بجزائر جديدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد