قد يكون من ترف التفكير والبحث؛ التأصيل المعرفي لنتيجة رباط وجدان الشعب الجزائري بالقضية الفلسطينية بأصل تربوي وجداني أسست له الظاهرة الاستدمارية ذاتها طيلة القرن وثلثه، أو بأصل جيني شخصي غائر في ما قبل التاريخ، يتجلّى سلوكا تلقائيا أمام الآخر الوافد، أكان رومانيا أو ونداليا أو بيزنطيا، بل حتى عربيًا، طالما أن مظنّات إنتاج الوعي لازالت كفايات عاملة ومواكبة للقضية الفلسطينية، وهو الأهم لها أولًا، فلا تزال كل ثورة أو حركة تحرر في سعة من أمرها مادام الوعي مواكبًا لها ومسايرًا، ثم للجزائريين، حيث برهان الحياة والانتماء.

تحيا القضية الفلسطينية في وجدان وخيال الجزائريين – باعتبارهم بعض الأمة – أولًا بوصفها اعتقاد مُؤَسَّس بسورة قرآنية وبأحاديث نبوية كثيرة، لذلك سعى أجدادهم المغاربة سابقًا للانخراط سبْقا في تاريخ تحرير المدينة المقدسة تحت لواء الناصر صلاح الدين الأيوبي رضي الله عنه، فكان أن أوقف لهم حارة المغاربة بعقد أزلي – على فقه الوقف – يُنتدبون به للدفاع عن الأقصى، ومن ثم صار ارتباطهم بالأرض المباركة مُرَكّبًا، اعتقادًا وعقْدًا.

وللقضية الفلسطينية في الذاكرة الجمعية الجزائرية خلفية تاريخية ارتبطت بالاستدمار الفرنسي، فإنْ كان ملمحُهُ العام انقضى في جغرافيتهم المغربية الأفريقية، إلا أن مقطعًا منه انتهى إلى جغرافيتهم المغاربية الآسوية، إذ يرى الجزائريون أن جرائم الصهيوني المجرم ذي المولد الجزائري إيهود باراك ما هي إلا امتداد لجرائم أجداده في الجزائر، عندما تنكروا للمُحتضن وانحازوا للمُحتل الفرنسي، ومن ثم فالمعركة في وعيهم لم تكتمل بعد.

والتاريخ لم يُرَسّخ في وعي الجزائريين وحدة الهوية ووحدة المصير فقط، بل أشْهَد عليهم مسؤوليةً أخلاقية لايمكنهم تجاوزها أبدًا، فهم مطالبون برد التحية أو بأحسن منها، إذِ الشعب الفلسطيني لم يبخل على شقيقه الجزائري بالدعم قبل الثورة وبعدها، سواء في مخيمات الشتات أو في داخل فلسطين المحتلة، ولعل أنموذجا ساقه الأستاذ محمد الهادي الحسني في إحدى ترجماته عن حادثة اليهودي إلْيَاهُو خليفي المؤرخة في ثلاثينيات القرن الماضي يفي للشهادة، فقد اقتحم هذا الشرطي بعد صلاة العشاء مسجدًا في مدينة قسنطينة سابّا النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – مزدريًا دين المسلمين وشعائرهم، فما كان من المصلين إلا أن انتفضوا وقتلوه، واندلعت على إثر ذلك مواجهات بين الجزائريين والمستوطنين خلفت شهداء وخسائر مادية، عمد المفتي أمين الحسيني – رحمه الله – عندها بفتح صندوق للتبرعات وأرسلها لقسنطينة.

كل الذي أعلاه وغيره لازال قادرًا على الإعمال في وعي عموم الجزائريين، فليس على المهتمين بالقضية الفلسطينية غير إيقاظ هذا الوعي وتفعيله لأنشطة شتى ترفعها وتدفعها، أو بين الفينة والأخرى صد و محاصرة شبهات حجازية وهابية تنحت في الوعي – للأسف – نحتًا سلبيًا، كون منظورها للأقداس فقهي أو سياسي بعيدًا عن القواعد العقدية المحكمة، كتوجيه الفسطينيين للهجرة عن أرضهم، أو تحريم العمليات الاستشهادية التي أثخنت في الصهاينة، أو ما ادّعاه أتباع ربيع بن هادي المدخلي من تحميل المقاومة الفلسطينية دماء الشعب الفلسطيني إبان ملحمة العصف المأكول خاصة، أو ما يدَّعُون عكسه الآن في حملة شعواء مشبوهة ترمي المقاومة الفسطينية بالوهن والعجز عن حماية الفلسطينيين في مسيرات العودة الكبرى في قطاع غزة.

في هذه الحملة الأخيرة تناغم مداخلة الجزائر والمتحدث باسم الجيش الصهيوني أفيخاي أدرعي في المغزى و المعنى والمبنى، وهو تناغم لا يرتبط بتقليدهم (المرجعية: ولي الأمر والوجهة: الإخوان المسلمون)، فهم في هذه المرة لم يستثنوا فصيلًا مقاوما في قطاع غزة، فالكل في منظورهم متاجر بدماء الشعب الفلسطيني، بما فيهم قادة حماس المُستشهدِ أبناؤهم في مسيرات العودة، على غرار موسى السماك ومحمود الرنتيسي، أو الذين أُصيب أبناؤهم كإسماعيل هنية مثلًا.

لايمكن للقارئ أن ينسب هذا الاتساق في الآداء إلى الصدفة أبدًا، لوجود قرائن سياسية كثيرة لم تعد مخبوءة، حيث تَصَادُف وتلاقي أهداف مرجعية مداخلة الجزائر الفكرية واستراتيجية مرجعية الواعظ أفيخاي الصهيونية، إنه التحالف الجديد بين المشروع الصهيو أمريكي من جهة، والسعودية وحليفاتها من الجهة الأخرى، تحالف للجم إيران بثمن تصفية القضية الفلسطينية بصفقة القرن، وهو ليس رجمًا بالظن فنُحَاجَجَ بالنيات، إنما المقاربة تستند هنا للحركة والوجهة، فهي الدليل والحكم، ولايعفي حسن نية مع غباء إذا أحسنا، غباؤك قد يجعلك خادمًا لعدوك كالعميل تمامًا على ما نبّه له الإمام الغزالي رحمه الله: ليس من الضروري أن تكون عميلًا كي تخدم عدوك، يكفي أن تكون غبيًا.

إنْ لم تعمل سنّة الحبيب – صلى الله عليه وسلم – في إيمان مداخلة الجزائر بالحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيْنَ هُمْ قَالَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِس)، فلْتعمل في مُروءتهم وصيته – صلى الله عليه وسلم – لأصحابه في غزوة بدر الكبرى بتجنب قتل أبي البحتري بن هشام الذي كان من القلائل الذين نقضوا صحيفة الحصار، ويَفُوا بجمائل الفلسطينيين علينا إبّان الاستدمار الفرنسي، وهم الذين بهم خصاصة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك