الأسد المعلم الأول والأخير

تحول رئيس هرم السلطة السورية إلى منهج تعليمي لكل زعيم أو قائد يعشق السلطة، ويرغب في الحفاظ عليها، فغالبًا ما تكون الدراسات العلمية، والمنهجية، والتأريخية، والتوثيقية عن شعب استطاع الإطاحة بمستبد ولكن في عصر الهزائم، والانكسار، والرضوخ للأقوى انقلبت الآية، وتحولت إلى كيف استطاع رئيس دولة من الحفاظ على كرسيه، بالرغم من المعارضة الشعبية الكبيرة.

بعد أن حوّل النظام السوري البلد التي يحكمها إلى ركام أصبح في المحافل الدولية والإقليمية والعربية مضرب مثل، وبعبع تخوف به السلطات شعوبها من مصر إلى السودان، وصولًا إلى الجزائر، وانتهاءً بفنزويلا، فيضع الحاكم شعبه بين خيارين كليهما مرّ، إما القتل والتعذيب والتدمير والتهجير، وإما البقاء وكأننا نعيش في القرون الوسطى، عندما كان الأمير أو الحاكم يقضي على الثورات، ويفخرٍ بأنه قد أعاد الأمن والأمان إلى بلاده، في حين كانت الشعوب لا تبتغي سوى الحياة الحرة والكريمة.

النجيب عمر البشير

من يتابع الأحداث عن كسب في السودان يرى أن البشير كان من أشد المعجبين بالمنهجية السورية الاستبدادية، فراح يطبقها بحذافيرها. كخطوة أولى بدأ البشير بمواجهة المتظاهرين بالسلاح، وملاحقة المعارضين، والزجّ بهم في السجون، ثم باشر بخطوات إصلاحية ـ على حد تعبيره ـ فنقل وزير الدفاع إلى الحكم الرئاسي وعينه كنائب للرئيس، ثم لحقها بجملة من التعيينات الجديدة، والترفيعات لبعض المسؤولين، والكثير من القرارات التي كانت بداع وغير داع.

الخطوة التالية كانت إعلان حالة الطوارئ، وسجن أعداد كبيرة من الناس والبدء بقتل ترويع المتظاهرين، فالذي قسّم السودان وتخلى عن جنوبه هو في أتم الاستعداد للتخلي عن شماله؛ فحكامنا لديهم القدرة على التخلّي عن كل شيء إلّا كراسيهم.

في حين يبقى القاسم المشترك الأكبر بين النظام السوري والنظام السوداني هو أن البشير استغنى عن جزء كبير من بلاده، وهو جنوب السودان لصالح بقائه بالحكم والنظام السوري الذي استغنى عن الجولان لصالح إسرائيل ولواء إسكندرون لصالح تركيا والساحل السوري لروسيا والقصير لحزب الله وعن سوريا لإيران في سبيل البقاء في السلطة وما علبنا إلا أن ننتطر ونشاهد لمن سيهدي البشير شمال السودان.

الجزائر بدأت بتحذير شعبها من السيناريو السوري

بدلًا عن أن يستغني بوتفليقة عن حكم دام لأكثر من 15 عامًا لصالح الشباب سعيًا منه لتطوير بلاده والخوف على مصالحها، تحوّل الآخر إلى مضرب مثل باقي الحكام حول كيفية الالتصاق بالكرسي وعدم النهوض عنها حتى اعتقد البعض أنه ينام على كرسيه دون حراك، وأصبحت رؤية بوتفليقة واقفًا من معجزات القرن العشرين، وانضم إلى مستحيلات عالم الرياضيات المعقد.

وفي سبيل تهدئة الوضع حذر رئيس الوزراء الجزائري أحمد أويحيى من تكرار السيناريو السوري في الجزائر في محاولة منه أقل ما يقال عنها إخافة الشارع الجزائري وردعه وبذات الوقت اعتبر أن صحة بوتفليقة وما ستؤول عليها حالته لا يعلم بها إلا الله، في إشارة واضحة منه أن الرئيس غير قادر على حكم البلاد لولاية جديد، فيما ذكرت مصادر أخبارية عديدة أن صحة رئيس البلاد من سيئ إلى أسوأ، وأنه في حالة غيبوبة، وما زال بعض مناصريه من المسؤولين حتى اللحظة مصرين على ترشيحه لحكم البلاد في خطوة لم نر منها مثالًا في التاريخ الحديث.

أخيرًا يبقى انعدام الوعي لدى الشعوب العربية وعدم إدراك تلك الشعوب بحقوقها والمطالبة بها باستمرار من أهم الأسباب فيما يحصل. فاعتقدت السلطات أنه وبالمراوغة والتهديد والقتل والتعذيب بإمكانها فعل ما تريد، وفي غفلة من السلطات قررت الشعوب الاستفاقة والمطالبة بحقوقها الشرعية؛ الأمر الذي أثار حفيظة السلطات التي لم تعتد على سماع كلمة لا، فحدث الاصطدام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد