حدثان متعلقان بالقضية الفلسطينية شغلا الرأي العام الجزائري في الأسبوع الماضي، الأول هو المباراة الودية التي جمعت المنتخب الجزائري بنظيره الفلسطيني، حيث تناقلت وسائل الإعلام العربية والعالمية الاستقبال الحافل الذي خصّت به الجماهير الجزائرية منتخب «الفدائي» كما يلقّب، بل وتجاوزت ذلك إلى حد تشجيعه ضد منتخب بلادها في سابقة في كرة القدم، فاهتزت مدرجات ملعب 5 جويلية الذي امتلأ عن آخره بفضل سياسة السلطات الجزائرية التي جعلت الدخول مجانيا عندما سجّل الفلسطينيون في مرمى الحارس الجزائري.

والثاني كان حملة لمقاطعة شركة خطوط الهاتف النقال «djezzy» التي تشترك فيها السلطات الجزائرية مع شركة «Vimpelcom» متعددة الجنسيات، بسبب جنسية مديرها الروسي الإسرائيلي «MIKHAIL FRIDMAN»، بدأت الحملة عندما فجر صحفيا قناة «beur tv» الخاصة القضية وسط مؤتمر صحفي لشركة جازي متهمين مدير الشركة ميخائيل فريدمان باستغلال أموال الجزائريين لدعم الاحتلال الإسرائيلي، حيث انتشر فيديو احتجاجهما داخل مؤتمر الشركة على شبكات التواصل الاجتماعي بشكل كبير. وبدأت مطالبات لتكسير خطوط شركة جازي ومقاطعة منتجاتها احتجاجًا على دعمها للاحتلال كما يقول أصحابها. فيما شكك آخرون في نوايا أصحاب الحملة وما إن كانت شركات الهاتف المنافسة خلف الستار. وتنبغي الإشارة هنا إلى أن مدير الشركة الأم المساهمة في «جازي» الميلياردير الروسي ميخائيل فريدمان فعلا حاصل على الجنسية الإسرائيلية. لكن ما إن كان ذلك يرتقي لأن يجعل شركة جازي التي تشترك الدولة الجزائرية في أسهمها ذاتها مدانة باستعمال أموال الجزائريين في دعم الاحتلال الإسرائيلي محل شك وينبغي التدقيق فيه من قبل المختصين في هذه القضايا.

وتتخذ هذه القضية حساسية مفرطة في الأوساط الجزائرية على المستوى الرسمي؛ فالجزائر رسميًّا لا تمتلك أي علاقات دبلوماسية مع سلطة الاحتلال، وإن كان الدعم الرسمي لفلسطين بصورة محتشمة لا تتجاوز التصريحات والخطب دون عمل جاد داعم للقضية على أرض الواقع، لكنه يبقى ثمينًا في ظل واقع عربي صامت أو متواطئ في كثير من الحالات. كما أن التضامن مع القضية الفلسطينية يلقى رواجا كبيرًا على المستوى الشعبي. يبرز ذلك في كثير من الأحداث، كالمشاركة المميزة للجزائريين في حملات كسر الحصار على غزة من خلال وفد أسطول الحرية سنة 2010 [المصدر]، وحملات الإغاثة وجمع التبرعات التي تقوم بها عدة جمعيات أهلية، والانسحابات المتكررة للرياضيين الجزائرين من مواجهة إسرائيليين. [المصدر]

لكن يؤخذ على الجزائر أن هذا الدعم الشعبي والرسمي لا يوجد له انعكاس كبير في المجال الاقتصادي،
فإن صحت هذه الادعاءات الموجهة ضد شركة جازي، فإن هذه الشركة لن تكون الوحيدة في هذا المجال، فحملة المقاطعة الاقتصادية العالمية للشركات الداعمة للاحتلال الإسرائيلي «
BDS» بينما تزدهر في أوروبا وأمريكا ويزداد الوعي والمشاركة الشعبيان بها، لا نسمع لها صدى قويا في الجزائر. ففرع حركة «BDS «boycott,divest,sanctions الذي تأسس في صائفة 2015 لا نكاد نلحظ له نشاطًا حقيقيًا لا في العالم الافتراضي ولا على أرض الواقع. والدولة التي قدّمت فلسطين لأول مرة إلى الأمم المتحدة سنة 1974، تتعاقد مع عدة شركات متورطة بشكل فظيع في انتهاك حقوق الشعب الفلسطيني وفي خدمة الاحتلال الإسرائيلي.

شركات العار

نذكر هنا أمثلة لهذه الشركات التي تعمل في السوق الجزائرية منذ سنوات رغم مشاريعها المعلنة في التعاون مع سلطات الاحتلال، مع معلومات عن المناطق التي تنشط فيها والمشاريع التي تسلمتها.

1. «Veolia»

هذه الشركة الفرنسية متعددة الجنسيات المتخصصة في مجالات إدارة المياه والصرف الصحي والطاقة، متهمة بتهويد القدس الشريف، حيث تقوم بإدارة الطرقات وخطوط الترام في الأراضي المحتلة وتشغّل طرقات معروفة بـ«طرقات الأبارتايد» بسبب منع الفلسطينيين من عبورها، كما تقوم بمعالجة النفايات المجموعة من 21 مستوطنة في مكب توفلان (Tovlan) الواقع في أراضي 67، مما ترك آثارًا سلبية، صحيًا وبيئيًا، على السكان الفلسطينيين. رغم ذلك نجد أن لها وجودًا قويًا في السوق الجزائرية، ففي تاريخ 4/11/2012 أعلن المكتب الوطني للصرف الصحي توقيع عقد مع هذه الشركة بقيمة 2,7 مليار دينار جزائري، أي ما يعادل 25 مليون دولار أمريكي، من أجل تشغيل بمحطة الصرف الصحي ببني مراد بولاية البليدة، غير البعيدة عن الجزائر العاصمة التي احتضنت سنة 1988 إعلان الاستقلال الفلسطيني. [مصدر].

2. ألستوم

تعاني الشركة الفرنسية متعددة الجنسيات التي تعمل في توليد الطاقة وقطاع المواصلات، من شدّة حملات المقاطعة التي تطالها في أوروبا بسبب تورطها في دعم الاحتلال الإسرائيلي، من خلال إنشاء ترام القدس الذي يربط بين الجانب الغربي للمدينة والمستوطنات المقامة في القدس وحولها في انتهاك صارخ للقوانين الدولية [مصدر]، ففي حين نجحت الحملة ضد هذه الشركة في السويد من منعها من الحصول على مشروع تشغيل ميترو ستوكهولم، ومن الحصول على صفقة تشغيل قطار الحرمين في السعودية، نجد أنها تحظى بغنائم هائلة في السوق الجزائرية، فنجد أنها حازت في 2016 صفقة إنشاء ترام سطيف بتكلفة تقدر بخمسة وثمانين مليون يورو [مصدر]، كما وقعت عقدا مع شركة العمومية لسكك الحديد
SNTF
قدر بتكلفة 200 مليون يورو، وكذلك إنشاؤها لمصنع CITAL الضخم لتجميع وصيانة الترام [مصدر]. بالإضافة إلى حصولها سنة 2012 على صفقة ضخمة لإنشاء محطة توليد الكهرباء بمنطقة ترقة بولاية عين تيموشنت بقيمة 1,35 مليار يورو [مصدر].

3. شركة جي فور أس «Group 4 Securicor»

شركة G4S الأمنية متعددة الجنسيات متهمة بارتكاب خروقات فادحة في حق الشعب الفلسطيني، عن طريق التواطؤ مع الاحتلال الإسرائيلي في تطوير أنظمة السجون التي يُحتَجَزُ فيها قصّرٌ ومعتقلون سياسيون فلسطينيون دون محاكمة، كما وفرت معدات لسجون تم توثيق استعمال التعذيب المنهجي فيها والمعاملة السيئة للفلسطينيين داخل أسوارها. هذه الشركة طالتها حملات مقاطعة ناجحة في إسكتلندا وبريطانيا وجنوب إفريقيا ودول أوروبية أخرى، وتتصاعد الأصوات المطالبة بطردها من البلدان العربية كلبنان والأردن ومصر، لكنها في الجزائر تنعم بعقود ثمينة مقابل حراسة أنابيب النفط والمنشآت الغازية الموجودة في الصحراء عن طريق فرعها ArmorGroup [مصدر].

4. شركة «Caterpillar»

الشركة الأمريكية العالمية المختصة في تصنيع الجرافات وآليات البناء، تعاونت مع الاحتلال الإسرائيلي في هدم بيوت الفلسطينيين وتدمير مزارعهم. كما قامت بتطوير جرافات خاصة للجيش الإسرائيلي حسب احتياجاته. وبينما تعاني الشركة من حملات المقاطعة التي تطالها في أمريكا نجدها تواصل التوسع في السوق الجزائرية بشدة عبر وكيلها المعتمد في الجزائر BERGERAT MONNOYEUR ALGERIE.

آمال كبيرة

آمال كبيرة تعلّق على الجزائريين سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي في تبني حركة المقاطعة الاقتصادية للاحتلال التي تكسب مساحات ومعارك جديدة كل يوم. تمتلك الجزائر العديد من أوراق الضغط الاقتصادية من خلال الفرص الاستثمارية المتوفرة فيها، التي يمكن أن توظفها في خدمة القضية الفلسطينية عن طريق استبعاد الشركات التي يثبت تورّطها في مساندة الاحتلال الإسرائيلي من المشاريع الاقتصادية. وعلى المستوى الشعبي، فمطلوب من مكتب حركة «BDS» التواجد بصفة أكبر على أرض الواقع وعلى الشبكات الاجتماعية من أجل إيصال رسالته إلى أكبر عدد ممكن من الناس. المباراة التي أقيمت بين الجزائر وفلسطين بيّنت أن هنالك احتفاءً ودعمًا شعبيًا حقيقيًا بالقضية الفلسطينية، لكن من المؤكد أن مباراة في كرة القدم لن تحمل الشركات الضالعة في انتهاكات للحقوق الفلسطينية على إيقاف مشاريعها هناك، بل إقصاؤها من الفرص الاستثمارية هو ما يؤثر فعلا كما رأينا في البلدان التي حققت حركة «BDS» فيها انتصارات ملموسة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الجزائر

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد