الحياد السلبي والتأييد السلبي.

تنشأ دولة العدالة من إيمان الفرد بواجباته وحقوقه وقيامه بما عليه ومطالبته بما له وإدراكه أن القرار العام لا يؤخذ بالشهوات الفردية (لا على مستوى النزوات الشخصية ولا العِرقية ولا المذهبية)، ولكن الفرد الجزائري لا يزال يعتقد أن له أن يأخذ ولا يقَدِّم، ويرى في ذاته السلطان، وأن كل من عداه أقل منه، نحن نرى كيف أن المثقف يستخف بغيره ويعتقد أن غيره من المثقفين مجرد جهلة لا وزن لهم، والكاتب يحسب نفسه محور الكون ويسخر من الكُتَّاب الآخرين ويصفهم بالشعبوية وأنهم لا يشتركون معه في رفعة المستوى ورجاحة الفِكر، لا تزال النخبة عندنا لا تلائم «النخبة» إلا في ظاهر الاسم وحدود اللفظ، «ظاهرة صوتية» فعلًا!

فمثلًا: لحد الآن لا يستطيع الكاتب الجزائري تقبُّل النقد الرصين تجاه نصوصه؛ لأنه يرى عمله فوق النقد، هناك شيء من التألُّه، شيءٌ من التقديس الذاتي، شيءٌ من الربوبية يصبغ بها ذاته، كيف لفلان أن ينتقدني؟ يا له من تعيس حظ إذ يجرؤ وينتقد أعمالي التي بيع منها كذا نسخة، أنا أول كاتب جزائري يكتب في أدب كذا، وأول كاتب يتناول موضوع الهجرة إلى زحل، وأكثر كاتب يلتقط معه زوار سيلا (المعرض الدولي للكتاب) صورًا للذكرى، أنا الأصل والباقي تقليد وزَيف وهُراء وتضييع للوقت والورق، هكذا ينضمُّ الكاتب إلى النخبة ويبدأ في ممارسة سلطويته وديكتاتوريته على الرعية من القراء والنقاد.

إن شخصية تحمل مواصفات كهذه هي أبعد من أن تنخرط في صناعة برنامج دولة العدالة، وإن من الصعب جدًا على من يتلعثم في صياغة فكرة تشاركية مع بضعة أفراد في مساحة صغيرة وضمن موضوع ذي مستوى بسيط أن يُسهِم في تقديم حلول تشاورية ديمقراطية تجاه قضية شعب بأكمله أعني: تجاه بناء دولة العدالة التي يطمح لها المواطنون الجزائريون بمختلِف توجهاتهم، أليس على من يخرجون في الجمعات أن يتساءلوا حول قادة المرجعية الفكرية الذين يُسَيِّرونهم: ماذا قدَّموا من تصورات بشأن الخروج من الأزمة؟ هل استطاعوا كتابة ميثاق وطني يرسم خطوات فعلية نحو الدولة المدنية التي ينادون بها؟ وفي سياق أكثر خطورة: ما الذي يمنع النخبة والمثقفين منهم أن يمارسوا المسار الديمقراطي فيما بينهم لإعطاء الحل البديل عن انتخابات الجيش؟

إن الجيش الجزائري دخل كلاعب فاعل وأساسي خلال الحراك الشعبي الذي تشهده الجزائر بطريقة بدتْ مدروسة وواضحة الأهداف وصارمة وغير معقدة كثيرًا: محاربة الفساد وتنظيم انتخابات رئاسية، مع التعهد المكرر بأن الجيش لن يدعم أي مترشح، ولن يمنع أي مواطن من الترشح مهما كانت خلفياته ومسيرته وتاريخه، أفرزت خطة الجيش خمسة مترشحين تحوط بهم جميعًا ارتباطات بالنظام البوتفليقي الفاسد، ولكن بدرجات متفاوتة، ظهر جليًا أن الشعب المؤيد للمسار الانتخابي وخطة الجيش لم يقدم مرشحًا خارج الوجوه القديمة، وهنا يتكرر السؤال ذاته والذي يعنيني في مقالي هذا وهو: أين هي النخبة المؤيدة لمسار الجيش، ماذا عملت وأين وظيفتها في تقديم البرامج والمرشحين والاقتراحات والاعتراضات؟

سوف نندهش، النخبة عندنا تمارس الحياد السلبي والتأييد السلبي معًا، الحياد السلبي المتمثل في غياب الدور الحقيقي للنخبة في مسيرة الدولة وتسيير المجتمع: النخبة هياكل محنطة أو تماثيل هامدة، والتأييد السلبي هو التزكية المطلقة لرأي الفاعل القوي سواء كانت الرئاسة كما في عهد الرئيس المخلوع بوتفليقة أو الجيش فيما بعد الحراك الشعبي، إن كلًا من هذا وذاك لا يعطي أي شرعية لهذه النخبة وهؤلاء المثقفين لاحتكار مصطلح النخبة أو حيازة لقب المثقف، هم غائبون تمامًا عن صناعة المشهد، بينما كان اللازم هو الحضور أو كما يسمى: الشهود الحضاري، بعضهم يكتفي كالمصوِّر بالتقاط اللحظات والتبسُّم مع ما يلائمه أو التحسُّر على ما يصادمه، وبعضهم يصفق لمن هو على الخشبة أو المنصة كائنًا من كان، إذا لم يكن الكاتب ثائرًا فأي ريشة لتأييد الظلم هو؟ وإن لم تكن الأحداث الكبرى مرتبطة بقرارات النُّخَب في التغيير كما يحدث في الدول الغربية فأي فرق حينئذ بين الغوغاء والمثقفين؟

إذًا علينا أن نتقبل ما دمنا سلبيين لهذه الدرجة – أن خطة الجيش تجد لها مناخًا مناسبًا جدًا وتربة خصبة للنمو والذهاب بعيدًا، ما دام أن المثقف لا يعي مسؤولياته ولا يؤمن بفاعليته والأخطر من ذلك ما دام أنه لا يمارس وظيفة الديمقراطية في جماعته الصغيرة، ولا يرى في نفسه سوى ديكتاتور صغير أو نصف إله، تحضرني كلمة للمفكر المصري حسن البنا، وهي كلمة صحيحة في موضوعنا – بغَضِّ النظر عن مدى تطابقها الفعلي في مسار جماعة الإخوان المسلمين فيما بعد – إذ يقول البنا: «أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم، تقم لكم على أرضكم»، حين تغيب تطبيقات العدالة عن قرارات المثقف فما الذي يُرجَى منه لتغيير طبيعة الدولة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد