إن الشباب إذا سما بطموحه جعل النجوم مواطئ الأقدام، كان هذا هو الشعار الذي تبنته جبهة التحرير الوطني  واستطاعت من خلاله  أن تقود الثورة، رغم إمكانياتها البسيطة لمواجهة دولة استدمارية كبرى متفوقة فيia  العدة والعتاد، وهذا بفضل مجموعة من الشباب الثائر، إذ بلغ متوسط عمر مجموعة 22 المفجرة للثورة 30 سنة كان أكبرهم الشهيد مصطفى بن بولعيد 37 سنة وأصغرهم سنا عثمان بلوزداد 24 سنة، ولأن سنّ الشباب يمتاز على مراحل العمر الأخرى بمزايا أساسية توفر له أهلية خاصة في مشاريع التغيير منها الطاقة والحيوية المتجددة والمتفجرة والتفاعلية مع المتغيرات والأحداث، وعلو الهمة والقدرة على العطاء البدني والعقلي، والطموح المتجدد والكبير وعدم الاستسلام واليأس، وحب المغامرة ومواجهة التحديات وعدم الخوف، ورفض الذلة والاستسلام للظلم أو التعايش معه، والقدرة على التطوير والتطور، ومن هنا نجد أن الشباب هم من رفعوا التحدي، وكان لهم الفضل في إعلان الثورة التحريرية في الأول من نوفمبر 1954، ويرجع لهم الفضل في تأطيرها إن على مستوى التخطيط لإعلانها أو على مستوى تنظيمها وذلك دون إنكار مساهمة ودور باقي الفئات الاجتماعية الأخرى.

حصلت الجزائر على استقلالها على يد ثلة من خيرة شبابها منهم من ارتقى شهيدا ومنهم من ينتظر، غير أن الإشكالية التي تواجه الجزائر اليوم هي إشكالية تتعلق بالتنمية، خاصة وأننا أمام فشل ذريع فيما يخصها بدليل حالة التقشف التي تبنتها الحكومة الجزائرية، مما يدفعنا للتساؤل: هل فشل شباب التحرير في مسيرة البناء والتشييد؟ أم عجز شباب اليوم بالتأسي بشباب الأمس وخوض غمار معركة كبرى لا تقل أهمية عن معركة التحرير وهي معركة التنمية؟ حيث أن الاستقلال الاقتصادي أولوية أي دولة خاصة في ظل منظومة عالمية تحول دون ذلك.

إن الإشكالية تعود لجيل التحرير بالأساس والذي تكونت لديه نوع من الأبوية تجاه ليس فقط فئة الشباب وإنما تجاه الشعب الجزائري ككل، بالإضافة إلى اهتمامات الشاب الجزائري الذي أصبح يسعى نحو الثلاثية المعروفة (وظيفة، سكن، زواج) دون الاهتمام بالشأن العام بل أصبح كثير من الشباب لا يؤمنون بالعمل السياسي ولا ينخرطون في مختلف التنظيمات (هذا ما نجحت فيه السلطة).

إذا كان دمج الشباب في الحياة السياسية ضرورة فيما مضى فإنه الآن أكثر من ضروري بل واجب وطني خاصة مع التراجع الرهيب في عائدات الجزائر المالية بسب انهيار أسعار البترول (تراجع مداخيل البلاد من النفط بنسبة 70% حسب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة)، ولا سبيل لذلك إلا إذا  وعى جيل التحرير بأن تأخير تسليم المشعل للشباب ستكون له عواقب وخيمة، وعلى الشباب أن يكون مبادرًا عازمًا مهتمًا بالشأن العام متأهبًا لاستلام زمام المسؤولية إذا أسندت له، آخذا بالاعتبار أن إعادة اجترار أخطاء وممارسات سادت قبيل ظهور جبهة التحرير الوطني إلى الواجهة (النزعة الحزبية والأيديولوجية على حساب القضية الوطنية) سيجعل من مهمته في صياغة رؤية وطنية جديدة أشبه بالخيال، ولتلافي هذه الأخطاء ليس المطلوب إعادة آليات مرحلة التحرير بالتخندق في جبهة واحدة، إنما المطلوب الآن التخندق في مشروع وطني جامع، مشروع مبني على البرامج يفتح فيه الباب لكل وطني حر همه رؤية الجزائر في مكانتها الحقيقية دوليًا وإقليميًا، ليساهم كل من جهته في بناء جزائر جديدة دون التخلي عن الهياكل الموجودة سواءً كانت أحزابًا أو نقاباتٍ أو جمعيات.

هنا فقط سنكون أمام معركة حقيقية بدأت رسالتها مع فجر الأول من نوفمبر 1954 معركة بناء دولة جزائرية ديمقراطية اجتماعية مستقلة ذات سيادة في إطار المبادئ الإسلامية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الجزائر
عرض التعليقات
تحميل المزيد