عندما تتحول الورود إلى مصدر توتر الساسة

فتح في الآونة الأخيرة ملف تشبيه الحراك الشعبي بالجزائر بما عاشته سوريا قبل ثماني سنوات. الملف عاد للواجهة بقوة بعدما علق رئيس الحكومة الجزائرية أحمد أويحيى أسبوعًا بعد المسيرات السلمية في جمعة 22 من فبراير (شباط) بأن «مسيرات سوريا بدأت بالورود كذلك»، لتتعالى بعدها مباشرة أصوات نواب المعارضة: «الجزائر ليست سوريا». هي نفس العبارة التي رددها رواد مواقع التواصل الاجتماعي والمتظاهرون في جمعة الفاتح من مارس. فهل كان حكم أويحيى – وهو الرجل المحنك سياسيًا – خاطئًا أم استند لواقع لا يعرفه البقية، أم كان هدفه التخويف لا غير؟

التنبؤ بمصير الجزائر ضمن الحراك العربي الذي شهده العقد الأخير ليس جديدًا، فمعظم المتتبعين أشاروا مع بدء ثورة الياسمين بتونس إلى انتقال العدوى وفقًا لنظرية الدومينو. وبالفعل انتقل الحراك، لكن ليس للجيران المغاربة، لكن لدول الشرق الأوسط. انتقال الحراك لسوريا في 2011 شكل أعقد حالة مقارنة بتونس ومصر بعدما تحول إلى حرب أهلية تخترقها أطراف دولية تصارع لتصفية حساباتها بالوكالة، لهذا تحول المثال السوري إلى فزاعة الشعوب. لكن في الواقع لم يكن رئيس الحكومة الجزائري «أويحيى» أول من قدم التشبيه، فالكاتب الفلسطيني «عبد الباري عطوان» أشار في تعليق على الحراك في الجزائر، إنه ومع بدء الحراك في سوريا التقى بشخصيات لم يذكر من هي، أعلمته أن الدولة القادمة هي الجزائر. وفي 2017 وقبيل الاستحقاقات الفرنسية صرح الخبير العسكري الفرنسي بيير سيرفانت لقناة Canal+ بأن «الجزائر ستتحول إلى سوريا جديدة بمجرد رحيل بوتفليقة».

وضعنا لفرضية تحول الجزائر لسوريا جديدة يرتبط بدخول العنف، السلاح والتصعيد من أي طرف على الخط. وهنا تبدأ عملية المقارنة بين البلدين. ظروف تشكل الحراك في سوريا تختلف عنه في الجزائر، السوريون تحركوا تنديدًا على التضييق الكبير على الحريات والاعتقالات الواسعة التي تعرض لها الناشطون السياسيون ، مطالبهم كانت جدية في إسقاط نظام بشار الأسد. في الجزائر سقف الانتقادات للسلطة عرف انفتاحًا بعد العشرية السوداء، الجميع ينتقد من المواطن البسيط إلى وجوه المعارضة وأصبح لسان حال الدولة «قولوا ما تريدون (للشعب) نفعل ما نشاء (السلطة)» المطلب الأساسي لخروج الجزائريين في 22 من فبراير 2019 هو دعوة الرئيس بوتفليقة (في حالة التسليم أنه من يتخذ القرار نظرًا لوضعه الصحي) للعدول عن ترشحه لعهدة خامسة، أما عن إسقاط النظام كفكرة ليس جوهر المطالب عند الجزائري البسيط ما عدا لدى بعض المثقفين الذين يرون ذهاب بوتفليقة دون حاشيته ليس حلًا.

نقطة مهمة أخرى لابد عن إثارتها وهي كيفية تعامل الطرف الجزائري مع المتظاهرين مقارنة بالنظام السوري. ليلة الخميس 21 من فبراير 2019 لم يخف أي جانب تخوفه من أول مسيرة ضد العهدة الخامسة. مديريات الأمن الوطني تدخل في حالة تأهب، لكنها تتلقى تعليمات بعدم ممارسة العنف وتفادي الاحتكاك المباشر مع المواطنين. المتظاهرون من جانبهم وعبر مواقع التواصل الاجتماعي حشدوا أنفسهم واتفقوا بأن تكون مسيرتهم سلمية، ونشروا رسائل تطمينية لسلك الشرطة على شاكلة: «الشرطة والشعب خاوة خاوة». وبالفعل مرت أول مسيرة في 22 من فبراير، والثانية في الفاتح من مارس (آذار) 2019 وما تخللتها من وقفات خلال الأسبوع للطلبة والمحامين والصحافيين دون تسجيل أي تجاوزات مست بالأشخاص أساسًا، هذا إذا استثنينا المناوشات التي أعقبت مسيرة الفاتح من مارس بين الشرطة وعشرات الشباب بالعاصمة والذين لا يمثلون المتظاهرين بسبب محاولتهم القيام بأعمال شغب بعد نهاية المظاهرة. إضافة لتسجيل حالة وفاة واحدة لنجل رئيس الحكومة الجزائرية المؤقتة يوسف بن خدة، وهذا بعد تعرضه لسكتة قلبية أثناء مشاركته بالمسيرات. الاعتراف بسلمية المتظاهرين جاء على لسان السلطة بحد ذاته، ففي نص رسالة ترشح بوتفليقة حيًا طابع المسيرات السلمي. الوضع في سوريا كان مختلفًا تمامًا، مباشرة بعد تعالي الأصوات المناهضة لنظام بشار الأسد، حملة الاعتقالات انطلقت لتمس أطفال محافظة درعا الذين أشعلوا فتيل الحراك.. تتوالى عمليات الاعتقال للمتظاهرين لتصل بعدها لإطلاق الرصاص الحي عليهم ، ومع منتصف شهر مارس 2011 سقط ما بين 100 إلى 150 سوريا، لتخرج الأمور عن نطاقها. فإطلاق رصاصة واحدة سيكون عنوانًا لإدخال أي حراك كان إلى حرب كما يحصل اليوم في سوريا.

ورغم أن الأنظمة العربية تتشابه في رغبتها في إبقاء الحكم في يد مجموعة محددة ، بيد أن النظام الجزائري الحالي لا يقارن بنظام بشار الأسد أو على الأقل سيتجنب أن يتورط بطريقة بشعة كما فعل الأسد. التخوف الوحيد هو أن يتم استغلال هذا الحراك من قبل الجماعات الإرهابية التي وحسب التقارير الأمنية جففت منابعها. لذا فأي حديث عن انزلاق أمني سيضع الأجهزة الأمنية في حرج وهي التي تتحدث عن اجتثاث ظاهرة الإرهاب من الجزائر ونجاحها في إحباط المخططات لضرب الجزائر على حدودها الجنوبية وأبرزها عملية «تيقنتورين» في يناير (كانون الثاني) 2013 . فأي تنبأ اليوم لتحول الجزائر إلى سوريا جديدة لن يكون ولن ينجح إن لم يقدم له الضوء الأخضر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد