«محاولة شخصية لتسليط الضوء»

        الحديث عن قيام أمة متكاملة الأركان والشروط، بكل ما يحتويه مصطلح «الأمة» من معنى ومفهوم وفق وسائل النهضة الحضارية الشاملة، ومقتضيات العصرنة المتطورة، يقود بلا شك للخوض في موجبات وجود البشرية، كما أوضح ذلك النص القرآني «وَمَا خَلَقْتُ الإِنسَ وَالجِنَّ إِلّا لِيَعْبُدُون».

      فتحقيق مناط هذا النص والحكمة الربانية من ذلك، يقتضي بالضرورة الالتزام بالمثل العليا، والقيم السامية من خلال تتويج الإنسانية بحضارة عالمية خالدة تنطلق من الفرد الواحد.

         وذلك لا يتحقق إلا في أُطُرٍ تربوية وقيادية وفق ثنائية «السعي مع الوعي»، أي أن مقومات الحراك الميداني فرديًّا أو جماعيًّا تحت مختلف الواجهات، يتوجب وعيًا إنسانيًّا ناضجًا لما يدور حوله وسبب تحركه، وذلك لتحقيق أفضل النتائج بأقل جهد وفي أقصر وقت ممكن.

            فالأُطُر التربوية التي يمر بها الفرد في مراحل متعددة، التي ترتقي من رابطة الدم إلى رابطة الدين، من الأسرة إلى الكُتَّاب (المسجد) إلى المدرسة التعليمية، اكتمالًا بمحاضن العمل الجماعي المختلفة، تلعب دورًا مهمًّا وأساسيًّا في بناء الفرد، وتشكيل كينونته الداخلية، وصقل شخصيته المرتقبة لنهضة الأمة.

        أما عن الإطار القيادي فيكون سواءً سياسيًّا من خلال العمل الحزبي المنظم، أو اجتماعيًّا، أو ثقافيًّا من خلال جمعيات ونوادٍ وهيئات المجتمع المدني.

        لكن العمل في نفق واحد، والتخندق حول مشروع معين، ولِنَقُل سياسيًّا حزبيًّا –نأخذ هذا كعصب للموضوع-، يتطلب وسائل بشرية ومادية، وجوًا ملائمًا انطلاقًا من الدافع المشترك، وذلك ما يسهل العمل والنشاط السياسي، وإن اختلفت مسمياته من فئة إلى أخرى، ومن شخص إلى آخر.

          وما لفت انتباهي قول أحد رواد العمل السياسي في الجزائر، مجيبًا عن عزوف الشباب والناس عمومًا عن العمل السياسي الحزبي بقوله: «لا ينجح الحزب إلا إذا التقت مصالح الفرد المنتمي مع مصالح الحزب العليا». -بتصرف-

         بمعنى لا بد لوجود مصلحة مشتركة بين الطرفين، الطرف البشري –العضو- والطرف المعنوي –الحزب- إذا أُرِيدَ للحزب النجاح وتعبئة أكبر عدد ممكن من الأفراد العاملين. والمصلحة المشتركة يختلف مفهومها وتعريفها، إذ إنها تنقسم إلى مصلحة دنيوية وأخروية.

         فعند الحركات الإسلامية القويمة والصادقة في مشروعها، يكون المصدر الأساسي واللبنة الأولى لقيام كيانها المنظم تحكيم شرع الله الميسر في تسيير شؤون البلد بوسائل دنيوية متجددة، ويظهر ذلك في مبادئ المنتمين للحزب وأهدافهم.

        بمعنى أبسط هناك من يجعل من الحزب وسيلة لتبليغ وتحكيم شرع الله، والوصول إلى الغاية الكبرى. وفي الجانب الآخر هناك من يجعل من الحزب جسرًا لأغراض دنيوية بحتة، تتمثل في الغالب في الجاه والسلطة، وإن كان ذلك لا يتعارض مع مفهوم الحزب السياسي ودوره نوعًا ما، وهذا ما نراه عند مختلف التشكيلات السياسية الأخرى باختلاف مشاربها ومقاصدها، والتي جعلت من «خدمة الوطن» ماركة مسجلة باسمها!

        وما يجب الإشارة إليه مجملًا أن المصلحة المشتركة بنوعيها تصب في وادٍ واحد، ألا وهو «الشراكة الإنسانية» في تحقيق الأهداف والغايات المشتركة، بعيدًا عن الصدامية المبنية على استنزاف الجهد البشري والوقت في تعميق الصراع مباشرة، أو غير مباشرة بالركون للتفاوض مثلًا، والغاية من ذلك الخداع والتمويه، وربح الوقت.

         فاتباع منهج المصلحة المشتركة، يكون في الغالب إما باستراتيجية التكامل، بحيث يصبح الفرد أو الجماعة مندمج المصالح والفوائد بهدف الاستفادة من الفرص المتاحة أمامه، وهذا ما يُحسب للحركات الإسلامية والجماعات الدعوية، ومن بين أسرار نجاح بعضها، أو باتباع استراتيجية التعاون، التي تكون بتعزيز وتوثيق أوجه التعاون بين طرفين في فترة محددة في مجال جغرافي محدد، هذا التعاون قد يكون أحيانًا متذبذبًا صعودًا و هبوطًا، خطوة إلى الأمام، وخطوة إلى الخلف!

            لعلي اقتصرت في كلامي على زاوية واحدة كتجربة أولى في الطرح للموضوع دون إجمالٍ مفصلٍ، ليبقى الحديث مطروحًا على طاولة النقاش، ليشمل كل المجالات الأخرى، قابلًا للنقد البناء والتصويب والتنقيح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد