وقعت عيني على مقال البارحة، عنونته صاحبته بـ«قطع الجزائر العلاقات الدبلوماسية مع المغرب.. المنظور الواقعي»، والتفسير الواقعي لأي قرار سياسي أو تصرف دبلوماسي، يقتضي أولًا جمع المعلومات من مظانها، وتتبع شواردها، والاطلاع على جميع الأقوال التي لها علاقة بهذا القرار، ثم بعد هذا فرز صحيحها من ضعيفها، ووضع ما كان منها صحيحًا في سياقه المكاني والزماني.

وهذا ما كنت أتوقعه حين أبصرت عيني العنوان، ولكن حين اطلعت على المقال، لم أجد شيئًا مما كنت أتوقعه، ومما كنت أرجوه، وإنما وجدت مغالطات واتهامات، لا تمت للواقع من قريب ولا من بعيد، وأنا لا ألوم الأستاذة الكريمة التي أنشأت ذلك المقال، على مغالطاتها واتهامها وإساءتها، وذلك أنني أومن بشيء، وهو أنه من حقها، ومن حق كل حامل قلم وكل صاحب فكر وكل شخص، مهما كان، أن يعمل عمله في الدفاع عن بلده، وإيجاد التبرير له، والاعتذار عنه، فهذا حقها، ولا تلام من هذه الجهة، ولكن يحق لنا، ولكل شخص أيضًا، أن يكشف زيف ما يقال عن بلده، ويرد عنه كل اتهام ويدفع كل بهتان.

تقول الأستاذة الكريمة: «تعرضت الجزائر في الفترة الأخيرة لجملة من المواقف والتحركات الرسمية المستفزة من طرف الدولة المغربية ويبرز أهمها في:

أولًا: قيام السفير المغربي في الأمم المتحدة بتوزيع وثيقة على أعضاء حركة عدم الانحياز، تعبر فيها المملكة المغربية بشكل رسمي عن دعمها لما يسمى بحسبه حق تقرير المصير للشعب القبائلي»، انتهى كلامها.

وسنرد على هذه الجزئية، ونقول: إن سفير المغرب لدى الأمم المتحدة، السيد عمر هلال، حين قدم الوثيقة قدمها للاحتجاج على حكومة الجزائر، والتي لا تفتأ تدعي أنها مع تصفية الاستعمار وتقرير المصير وو..، وذلك كلما تعلق الأمر بالصحراء المغربية، فجاء رد السيد عمر هلال ليبين تناقض الموقف الجزائري من كل ما يقوله من تصفية الاستعمار وتقرير المصير، فالسيد عمر هلال لم يرق بعد إلى المعاملة بالمثل حتى، وإنما أحب أن يظهر للسيد العمامرة، أن عليه تطبيق هذه الشعارات أولًا داخل جبهته الداخلية، والتي يوجد بها شعب هو الآخر يريد تقرير المصير، وهذا من باب أولى، وأما أهل الصحراء المغربية فلا أحد منهم يطلب تقرير المصير، إلا أشخاص مجهولون تستضيفهم الجزائر على أرضها وتنفق عليهم من أموالها، وهذا هو معنى تصرف السيد هلال.

ثم بعدها فإن أمير المؤمنين الملك محمد السادس، طمأن الشعب الجزائري في خطاب رسمي، أنه لن يأتيه أي خطر من المغرب، وهذا لا يعني أنه يخاف أحدًا، أو يطمع في شيء، فقبل أيام تحدى المغرب ألمانيا وإسبانيا، والاتحاد الأوروبي معهما، ولم يعبأ المغرب بشيء ولم يخف أحدًا، وإنما ظهر بمظهر القوى العالمية.

تقول الأخت الفاضلة: «تعد هذه الخطوة في الأعراف الدولية محاولة للمساس بالوحدة الوطنية للدولة؛ إذ تعد الجزائر دولة مستقلة معترف بها، وحدودها ثابتة قانونيًّا ومجتمعيًّا وتاريخيًّا، وإن هذه الخطوة من المغرب تعد انتهاكًا للدولة ودعمًا للتمرد، وقد أدت هذه الخطوة إلى تعميق أزمة الثقة بين الدولتين، إذ أصبحت المغرب تمثل تهديدًا أمنيًّا صريحًا على الوحدة الجزائرية أي على البقاء» انتهى.

وطبعا فمن حقنا ومن حق كل صاحب عقل سليم وفكر مستقيم، أن يقول للأخت الفاضلة: إن المغرب بما فيه صحرائه، دولة مستقلة معترف بها وحدودها ثابتة قانونيًّا وتاريخيًّا، وذلك بعد قرار محكمة العدل الدولية، في 16 أكتوبر (تشرين الأول) 1975، أصدرت المحكمة رأيها الاستشاري حول الصحراء، معتبرة أن الصحراء الغربية كان لها مالك قبل استعمارها من قبل إسبانيا، ووجود روابط قانونية وولاء وبيعة، بين سلاطين المغرب والقبائل التي تقيم بها، وهي أيضًا لا تقبل تدخل أحد في أمورها الداخلية.

فالجزائر لم تحتمل وثيقة واحدة، وهي التي تدعم الانفصال في المغرب لعقود طويلة.

تقول الأستاذة الكريمة: «ثانيًا: وفق ما أعلنته السلطات الجزائرية فقد ثبت التعاون البارز والموثق بين المغرب والمنظمتين الإرهابيتين «ماك» و«رشاد» اللتين ثبت ضلوعهما في جرائم الحرائق المفتعلة وجريمة قتل الشاب الجزائري جمال» انتهى.

وهذا ادعاء خطير من الأستاذة، وهي ملزمة أولًا بأن تقدم لنا دليلًا على أن المغرب تعاون مع المنظمتين المذكورتين، وبعد أن تتفضل علينا بتقديم الأدلة، سنرجع إلى مناقشة كلامها

تقول الأخت الفاضلة: «ثالثًا: تعرضت الجزائر لاتهامات وتهديدات ضمنية أطلقها وزير الخارجية الإسرائيلي خلال زيارته الرسمية للمغرب» انتهى.

وأنا لا أعرف ما دخل المغرب بكلام وزير خارجية دولة أخرى؟ والطبيعي في هذه الحالة، والقرار الواقعي الذي يجب اتباعه، هو أن تخرج وزارة الخارجية الجزائرية، على الأقل، ببيان موجه إلى دولة إسرائيل، وتطلب منهم تفسيرًا لكلام وزير خارجيتها، وهذا هو التصرف المتبع في الأعراف الدولية.

تقول الأخت: «الجزائر دولة عقلانية خاصةً في سياستها الخارجية، وتتحرك انطلاقًا من عقائد سياسية ثابتة أهمها عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول».

ولعلي أسألها أيضًا: كيف تفسرين تدخلها في شؤون المغرب الداخلية ودعمها للانفصاليين؟

هذا وأحب أن أقول، إن العنوان كله خاطئ، وذلك أن العلاقات المغربية الجزائرية مقطوعة منذ زمن بعيد، وليس فيها إلا سفارتان مفتوحتان في كلا البلدين، لأجل رعايا كل دولة فقط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد