تعد هوية الأمة من السمات والعناصر والمقومات المشتركة التي تتميز بها الجماعات المعينة وتعتز بها؛ إذ تلازم المجتمع وتجعله ينفرد بها، ويتميز بها عن غيره من المجتمعات، وهي تتألف من منظومة متماسكة من السمات المشتركة بين اعضاء الجماعة كاللغة، والدين، والتاريخ، وإذا أردنا الحديث عن الهوية الجزائرية جميعنا نعي جيدًا أنها تتألّف من مجموعات إثنية مختلفة وصبغة فيليلوجية وهويات متنوعة نظرًا لما تعاقَبَ على هذه الأرض من الأمم والحضارات المختلفة من أمازيغ، ورومان، وعرب، وإسبان، وأتراك، وغيرهم؛ مما أوقع ما أوقع من تزاوج واختلاط فيما بينهم.

لقد استطاعت هذه الحضارة أن تستوعب الكل وتحافظ على هوية شمال أفريقيا رغم محاولات الغزاة التي تحطمت على أسوار هذه الأمة فاستوعبت ولم تستوعب، وحوت ولم تحتو، وبذلك حق للمؤرخين أن يقولوا إن شمال أفريقيا ملتقى الحضارات، والوعاء التاريخي الذي جمع مختلف الثقافات؛ إذ شكل ذلك رافدًا وإضافة لم تعرفها بقية المجتمعات.

كانت السلطة الحاكمة في الجزائر قبل الاستقلال، في معظم الفترات التاريخية منفتحة على التعدد الإثنوثقافي نسبيًا؛ ما مكنها من التعامل مع هذا الكل دون عقدة، بل إن الاعتراف بالكل كان عامل استحقاق وجاذبية للكثير من الهجرات؛ مما سهل عليها استيعاب هذا الزخم دون الخوض في التساؤل عمَن سبق الآخر إلى هذه الأرض التي يحيا فيها العرب المتوافدين من بقاع مختلفة من العالم أثناء الفتح وبعده، أو الأمازيغ الذين ينتمون إلى قبائل متنوعة لها أصولها وهوياتها، ولا يمكننا بأية حال من الأحوال التحدث عن كيان أمازيغي موحّد أو لغة أمازيغية واحدة تستطيع أن تجمع شمل القبائل وتفرض نفسها على غيرها، بحيث يتعذر التواصل بين مختلف الطوائف العرقية الأمازيغية، دون اللجوء إلى الترجمة أو لغة أجنبية نظرًا لكثرتها وتنوعها كالقبائبلية، والشاوية، والشلحية، والمزابية، والتارقية، فكثرة هذه الأصول واللغات توحي بأنّ صراع الهوية أكثر تعقيدًا وعمقًا مما نتصور، كما ينذر بأنَّ الخلاف لن يقتصر بالضرورة على العرب والأمازيغ، وإنما قد يتسع في أي وقت ليفجّر مواجهات خطيرة بين شتى الفصائل الأمازيغية نفسها..

تُعدّ مسألة الهوية في الجزائر من الإشكاليات القديمة المتجددة، التي دأبت فرنسا طوال 130 سنة من احتلال على إثارة النعرات الجهوية والعرقية بين العرب والأمازيغ، لتسهيل التحكم في مقدارات الشعب وخيراته، والعمل على طمس الهوية الجزائرية ومسخها ثقافيًا، ولغويًا، وعرقيًا، وتاريخيًا، وفق مخطط مدروس؛ ما شكل أكبر تحدي تركه المستعمر الفرنسي أمام الشعب الجزائري بعد نيل استقلاله في تشكيل وبناء هوية جامعة له، وقد أخذ الوضع أبعادًا خطيرة وتصعيدًا رهيبًا في السنوات الأخيرة؛ إذ وقعت عدة صدامات عنيفة بين العرب والأمازيغ في السنوات الأخيرة نتيجة التحول الديمقراطي الذي شهدته البلاد في الفترة الأخيرة، وصار يشتعل فتيلها بين الفينة والأخرى، كلما سعت بعض الأطراف الفاعلة في المشهد السياسي لإلهاء الرأي العام عن قضاياه المصيرية وإدراج قضايا كانت مؤجلة الى حين مثل الصراع هوياتي الوهمي، الذي يبدو أنه ينتظر فرصة كل في مرة ليطفو إلى السطح تحت رداء حريات التعبير والرأي والإعلام من خلال الطعن في مقومات المجتمع، والعمل على فتح جبهات جديدة كلما سمحت الفرص، تتدفق من بركانِها حممُ السخط والكراهية والتعصّب العرقي واللغوي بين أبناء الوطن الواحد في شكل حرب باردة، والذي لا يقل خطورة عن التعصب الديني، تتردد فيه عبارات متعصبي اللغة والهوية ما قد يؤجج ظاهرة العنف المجتمعي.

إن بناء هوية وطنية جامعة يؤمن بها جميع الجزائرين يولد لنا أنماطًا ثقافية عامة وأخرى فرعية، ولكن ضمن ترابط السمات الثقافية التي تؤدي آليًا إلى ظهور نمط ثقافي يستوعب الكل، ويكون وعاءه المشكل لهوية المجتمعين، واعتبار تاريخ الأمة الجزائرية من تاريخ الأمة الأمازيغية الضاربة في أعماق تاريخ منطقة شمال أفريقيا، ذلك التاريخ الذي صنعه أجدادنا من ماسينسا إلى يوغرطة، وخلقوا مجدًا مثلته دولة النوميديين، وترجمه سانت أوغسطين في مؤلفاته الفلسفية الكبرى.

وعلى هذا فهويتنا العرقية هي الأمازيغية البربرية التي تفاعلت بدخول العرب المسلمين، وحملت معهم رسالة الحضارة والقيم الإنسانية، عن طريق لغة القرآن، هذا التّفاعل التّاريخي يقودنا للوقوف عند حقيقة مفادها أنّ إشكالية الهوية ما هي إلا صناعة سياسة استعمارية خبيثة، حولها السياسيون إلى مادة في سوق التجارة السياسية، والعنصريون أدخلوها سوق التجارة الشعبية، القصد منها تفكيك البنية الاجتماعية للمجتمع الجزائري.

لا بد للنخب الجزائرية من كل الأطراف تجاوز إشكاليات الهوية الوطنية، ومراجعة الأفكار والتصورات والتحرك نحو بناء الهوية الداخلية الجامعة، من خلال صهر صِراع الانتماءات الذي غالبًا ما يؤثر تأثيرًا سلبيًا في الممارسات السلوكية الفردية، ويثير التوترات والمخاطر داخل الأسرة والمجتمع معا، ويهدد استقرار الوطن وسلامته، بل والتأكيد على ضرورة الإسراع إلى احتواء الوضع وجمع هذه الانتماءات في منظومة تسمح بتفاعلها في ما بينها على نحو إيجابي يحمل خصائص وصفات كل منهما، وفق الاحترام المتبادل، وخدمة للمصلحة العامة وحفظًا للأمن وحماية لوحدة الوطن، فمصلحة الوطن تسبق مصلحة المجموعات الإثنية، ومصلحة المجتمع تسبق مصلحة الأفراد.

لابد عن اعتبار ملف الهوية مضمارًا ذا مسافات متعددة (ثقافية واجتماعية وسياسية)، وبالتالي عندما يُفتح النقاش حول الهوية لا بد أن يفتح من الباب الواسع الذي يُرحب بفحص واعتبار كل السياقات وعدم قصر مناقشة قضايا الهوية في الإطار الاحتجاجي والسياسي والقانوني فقط، بعيدًا عن الاشتباك والصراع الأيديولوجي والديني؛ فالتعاطي مع قضايا الهوية باعتبارها بوابة لبناء الجسور بين مكونات المجتمع الجزائري سيوفر الجهد ويقلل من حجم التوتر والانفعال؛ إذ إن الأمازيغ والعرب مكونان للمجتمع انصهرا سوية، والاثنان شكلا معًا وجه الجزائر الحضاري المُقاوم للاستعمار، ورسما ملامح الجزائري التي يفتخر بالانتماء إلى هذه الأرض، سواء كان من العرب أو الأمازيغ والفاعل الداعم لقضايا التحرر في المنطقة، وعلى رأسها قضية فلسطين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد