تطبيقًا لقاعدة المثل المشهور والذي يقول:«من بيته من زجاج لا يرمي الناس بالحجارة»، قررت كلٌّ من قناة «العربية» ووسائل الإعلام السعودية تجاهل قرار السلطات الجزائرية بإلغاء ترخيص عمل قناة «العربية» في الجزائر. إلى هذه اللحظة لم يصدر عن القناة أي تعليق على هذا القرار.

بالأمس قررت وزارة الإعلام الجزائرية سحب اعتماد قناة «العربية» في الجزائر؛ وذلك بسبب عدم احترامها لأخلاقيات المهنة وممارستها التضليل الإعلامي والتلاعب، بحسب الوزارة. هذه الحادثة ليست الحادثة الأولى لسحب اعتماد قناة فضائية في الجزائر، ففي يونيو (حزيران) الماضي، سحبت السلطات الجزائرية اعتماد فضائية «فرانس 24» الحكومية الفرنسية (التي رفض رئيسها إيمانويل ماكرون الاعتذار عن الجرائم الفرنسية بحق الشعب الجزائري إبان الاحتلال الفرنسي للجزائر)، بسبب ما وصفته بـ«العداء الجلي» لبلادها.

قد ينظر البعض إلى هذه القرارات على أنها انتهاك لحرية الرأي وحرية وسائل الإعلام في نشر الأخبار والعمل الصحفي، ولكن المتابع لتحركات وسياسات قناة «العربية» يفهم جيدًا الأجندات التي تتبعها القناة في تنفيذ المشاريع السعودية-الإماراتية في المنطقة. ويبدو أنَّ الجزائر، لرفضها القاطع التطبيع مع العدو الصهيوني ورفضها المتكرر لمواقف الدول المطبِّعة، أصبحت هدفًا لحملات وسائل الإعلام في التحريض والعداء.

من الملاحظ أنَّ وسائل الإعلام السعودية والإماراتية على حدٍّ سواء تتبع سياسة الثورات المضادة وتتجه إلى تبرير كل ما يصدر عن هاتين الدولتين. لا بل تتجه وسائل الإعلام في هاتين الدولتين إلى التهجم على كل من يخالف سياستهما في المنطقة أو يرفض عملية التطبيع مع إسرائيل. إذ إن أغلب أخبار قناة «العربية» على سبيل المثال تستهدف دولًا مثل إيران، ولبنان، وسوريا، والعراق، والجزائر واليمن. والرابط الأهم الذي يجمع هذه الدول هو مخالفتها الواضحة والصريحة لعملية التطبيع مع إسرائيل.

السلطات الجزائرية تنبهت لما يُحاك للمنطقة، وقررت سحب الاعتماد؛ إذ نظرت الجزائر إلى جارتها تونس وفهمت حجم المؤامرات التي تستهدف هذا البلد الذي اُعتبرت ثورته ذات يوم بأنها المثال الأنجح لثورات الربيع العربي، والديمقراطية الأولى في العالم العربي.

ومن الملاحظ في هذا النوع من وسائل الإعلام هو تجاهلها لأي أحداث داخلية تقع في بلدانها. فعلى سبيل المثال تتجاهل «العربية» وأخواتها كل حملات الاعتقال التي تشنها السلطات السعودية ضد نشطاء المجتمع المدني والمعارضين السعوديين. كما تتجاهل تقارير منظمات حقوق الإنسان التي اتهمت السعودية مرارًا وتكرارًا بارتكاب عمليات تعذيب ممنهج داخل السجون السعودية ضد الناشطين المدنيين وفي آخر تقرير لمنظمة «هيومن رايتس ووتش» أدلة كثيرة على هذه الممارسات. كما تتجاهل الارتفاع الحاد في نسب الفقر والجوع في المملكة العربية السعودية منذ استلام الملك سلمان وابنه محمد بن سلمان القيادة في المملكة. فعلى سبيل المثال قد ارتفعت أسعار الوقود وأهمها البنزين بنسبة 450% منذ تولي الملك سلمان سدة الحكم. كما تم فرض ضرائب مرتفعة على الدخل والقيم المضافة بواقع 15%. نحن نتحدث هنا عن أكبر مصدر للنفط في العالم كما نتحدث عن رفع أسعار الوقود والبنزين في الوقت الذي تشهد فيه أسعار النفط ارتفاعًا ملحوظًا.

على مستوى السياسات الإقليمية، لا يتم الإشارة إلى دور السعودية في انقلاب الأردن أبدًا. على الرغم من الدور المحوري الذي لعبته المملكة في محاولاتها الإطاحة بالملك عبد الله وطلبها (في ذلك الوقت) بالإفراج عن باسم عوض الله العقل المدبر لعملية الانقلاب. كما يتم تجاهل الجرائم السعودية في اليمن بشكلٍ تام.

أخيرًا، من ينظر إلى بلد المليون شهيد (الجزائر) وموقفها من القضية الفلسطينية، وسياساتها المتمثلة بعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى يفهم بشكلٍ واضحٍ أسباب قرارها بسحب اعتماد قناة «العربية» وغيرها. الجزائر فهمت تمامًا المؤامرات والمخططات التي تُحاك في منطقة الشرق الأوسط. فهل من متعظ؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد