حكم العسكر.. نهاية أي محاولة لاسترداد الحرية في الدول العربية

قبل ثماني سنوات انطلقت موجة الربيع العربي الساعي لتحرره من الأنظمة الفاسدة، ابتداء بتونس وإلى غاية الآن في الجزائر، والسودان، ومصر، «باحتشام». لتجد الشعوب المستضعفة نفسها أمام حليف الأنظمة الديكتاتورية دائمًا، ليقمعها ويرفع سوط العقاب عليها، وذنبها الوحيد أنها صرخت بشجي صوتها «ليسقط النظام الطاغي».
نظام في ظاهره وجد لخدمة الأوطان ونهضة شعوبها، فلا يتعدى كونه خادمًا لتسيير أمور البلاد وشؤونها، لكن إذا زاغ البصر وران على قلبه غاية حكمه أصبح جلادًا يستعبد رعيته.

ثم إذا ثار الشعب وانتفض وطالب بالسيادة والحق في الحكم الخالص له، وإذا شارف على تحقيق غايته تلك، هنا تتدخل «عثرة الطريق» أمام الحرية لتنطلق بالدبابات لحماية ولي أمرها وشريكها في الطغيان.

ومع أن ثورة تونس كانت استثناء، (دون إغفال أنها كانت تسير بنظام بوليسي)، ليس للجيش سلطة ولا مصلحة مع النظام الذي يستصغره حتى وقت سقوطه، فإن باقي الثورات كلها دون استثناء خرجت بنتيجة واحدة. سقوط نظام ديكتاتوري ثم تدخل الجيش بدعمه، ولو على حساب أرواح الشعب العزل، أو بإعادة بعث نظام فاسد جديد ترضى عنه وقبل كل شيء، دول الخارج بعد المساومات لتقديم الشرعية له.

هل اختلف الأمر مع ثورة الجزائر؟

بعد 10 سنوات دموية قادها جنرالات الدم بالبلاد، ثم 20 سنة من حكم أحادي مستبد تمرس في الفساد والظلم ضد العباد، قابلها نهب وسلب كبير لخزينة الدولة من النظام البوتفليقي بأرقام خيالية لم يسمع عنها الشعب قبلًا.
وبعد كل ذلك الاحتقار والاستصغار لقيمة الشعب وكرامته الذي مارسه ضده النظام الطاغي، هبَّ الشعب وانتفض ليخط سطور فصل جديد من تاريخه النضالي بدأه الأجداد ضد المستعمر وجاء دور الأحفاد ليكملوه، ليكونوا بذلك خير خلف لخير سلف ولسان حالهم يقول:

 قد كنا الأمس عمالقة.. بالحرب نذل أعادينا

وإنا اليوم عمالقة.. في السلم حماة مبادينا

وهكذا وفي خضم التحضير لترشيح بوتفليقة حل تاريخ سيكون الأهم في تاريخ الجزائر المعاصرة «22 من فبراير (شباط) 2019»، يخرج الشعب في أفواج غاضبين ومطالبين بإسقاط الخامسة ليست كعهدة رئاسية، وإنما كفكرة لتجديد النظام لنفسه، مسيرات بالملايين تسير في سلمية كل أسبوع مطالبة بإسقاط هذا النظام المتهالك.

وعندما نتكلم عن النظام، ففي الجزائر لا نقصده كمؤسسة هرمية في أعلاها رئيس دولة وتتفرع على مجموعة من العمال ذوي الكفاءات، الذين يسيرون شؤون البلاد كل في منصبه ومجاله، ويسهرون على راحة الشعب وخدمته.

في الجزائر نقصد نظامًا كاملًا وجد بطريقة متشابكة، متشعبة تربطها البيروقراطية والمصالح الشخصية وتغلفها الشخصيات الانتهازية التي لا هم لها إلا ملء حساباتها في البنوك، وهذا النظام لا سبيل لتأميمه أو إصلاحه إلا بإسقاطه تمامًا عن بكرة أبيه، ثم وعلى أنقاضه، إنشاء نظام جديد يحقق مبدأ العدالة ويقيم مفهوم الدولة المؤسساتية التي تؤسس لجمهورية تساير الدولة المتقدمة حاليًا.

خرج الشعب وكان لهم ما أرادوا، وها هو نظام المخلوع يتراجع عن العهدة الخامسة مع اقتراحه لمدة انتقالية من سنة واحدة تقام فيها انتخابات مبكرة يتنحى بها بوتفليقة نهائيًّا، وبطبيعة الحال قرر الشعب ألا تنطلي عليه ألاعيب أصحاب السلطة فقرر التصعيد، بالعصيان المدني أو بمواصلة المسيرات السلمية المليونية، كل هذا وحتى نسير على مبدأ قل للمحسن أحسنت، فقد رافق الجيش هذه المسيرات دون أي محاولة للاستفزاز أو لقمع التظاهرات وحال دون إراقة قطرة دم واحدة، عكس ما كان يروج له البعض، وتبع ذلك بعض الخطابات للمؤسسة العسكرية تتعهد فيها بحماية المواطنين، وهنا ظهر جليًّا أول ملمح للصراع الذي كان يدور بين الجيش والنظام الحاكم من سنوات. وقد شكلت انتفاضة الشعب ذلك الخدش الذي أبان عن تصدع النظام نهائيًّا، خاصة بعد أن أصبحت المسيرات تطالب علنًا بتدخل الجيش وتفعيل المادة 102 لعزل بوتفليقة بحجة مرضه، ولكن قبل ذلك أن يتم تفعيل بعض الإجراءات التي تضمن انتقال السلطة إلى الشعب فيما بعد، ومن بين تلك الإجراءات، إقالة بعض الشخصيات في رأس هرم السلطة كرئيس المجلس الدستوري ورئيس الحكومة، ممن يحق لهم استلام السلطة بعد الرئيس حسب نص المادة 102 دائمًا، وبالتالي فإن إقالتهم وتعيين شخصيات وطنية غير مشبوهة ومقبولة شعبيًّا تضمن الانتقال السلس للسلطة بأيديهم من نظام المعزول بوتفليقة إلى الشعب عبر انتخابات تُضْمن نزاهتها؛ لتأتي الضربة القاصمة بغطاء شعبي من قائد الأركان ليقيل بوتفليقة «أو استقالة كما أعلنوا ذلك»، لكن دون أي تغيير أو تحقيق لمطالب الشعب قبل ذلك؛ ليتنحى بوتفليقة ويبقى أزلامه في رأس السلطة لكن تحت حكم العسكر هذه المرة.

وهكذا عادت حليمة لعادته القديمة، ولم يكسر عسكرنا القاعدة، بل سار عليها كما كان متوقعًا، وبدأ التحضير لبعث نظام فاسد جديد.

وبدأت عملية تطهير واسعة ضد جناح عصابة المخلوع، صحبها انقسام في رأي بالشارع بين المؤمن بأنها مجرد حرب عصابات، وبين المهلل لها، هاته الفئة الأخيرة استغلها العسكر لتوظيفها في خطاب المشاعر والشعبوية؛ ليحور مطالب الحراك من غاية لإسقاط النظام عن بكرة أبيه، إلى دعوات لمساندة الجيش ضد العصابة التي سقطت، مع حملة تخوين واسعة ضد كل من ينتقد أفعال المؤسسة العسكرية ومن يقودها، خاصة بعد تبنيه لشعار النوفمبرية الباديسية والتي قابلها حسب كلام قائد الأركان فصيل عميل لفرنسا يقود الحراك ويؤججه بأيد شرذمة قليلة ضد مصالح البلاد تقوده نحو مطالب مغرضة تعادي الجزائر وشعبها. مع مجموعة من الفزاعات لتخويف الشعب وترهيبه من مصيره في حالة رفض الذهاب إلى الانتخابات التي أعلنت آنذاك. قابلها بعض الحلول التي قدمها الشعب ونخبته للخروج من تلك الأزمة، ولعل أهم مقترح كان ذاك الذي دعا إليه الدكتور طالب الإبراهيمي وموافقته على تسيير مرحلة انتقالية لمدة وجيزة، ومقترح آخر قدمته أحزاب المعارضة في اجتماع بعين البنيان، وطبعًا كل المبادرات قوبلت بالرفض وضُخمت تلك الفزاعات أكثر فكان أهمها آنذاك إشكالية انتهاء عهدة الرئيس المؤقت والمقدرة ب90 يومًا في حالة عدم اختيار رئيس، وما سيصاحبها من تدخل خارجي وفراغ دستوري يهدد مؤسسات الدولة، ثم سقطت الانتخابات فعلًا بحجة عدم وجود مرشحين للمنافسة، وسقطت معها فزاعة الفراغ أيضًا بفتوى دستورية تبيح للرئيس المؤقت البقاء في منصبه إلى غاية انتخاب رئيس جديد، ولو حدث ذلك بعد 10 سنين.

تعثر مخطط العسكر دفعه للتنازل مجددًا لتحقيق مطالب الشعب أكثر، فدعا للحوار لكن مع نفسه، عن طريق لجنة يرأسها بعض الموالين للعسكر، دُعيت فيها بعض جمعيات المجتمع المدني وبعض الشخصيات التي لم تمثل الشعب يومًا ولم يزكها هو الآخر، شُكلت كذلك لجنة مستقلة لتسيير الانتخابات والإشراف عليها، واتضح في الأخير أن تسييرها سُلم للأحزاب نفسها التي سيرت وزورت الانتخابات الفارطة لتسقط مصداقيتها. ومع تواصل المهازل واصل قائد الأركان أسلوب التخوين والطعن في شباب الحراك، مع حملة واسعة للاعتقالات والتضييقات، واصل فيها الشعب سلميته دون كلل لعشرات الأسابيع، وعينه نصب هدفه في تأسيس نظام عادل منتخب يحقق غايته.

 أعلن العسكر فيما بعد تاريخ الانتخابات في ديسمبر (كانون الأول)، وبدأ الترويج لها بشكل كبير وموسع، والدفع بشخصيات جرى غالبًا الاتصال بها من رجال الدولة لحثهم على الترشح بها ولربما لإغرائهم بالفوز بها. وانتهى موعد استلام ملفات المرشحين فلم يتفاجأ الشعب بالمرشحين للرئاسة، كان متوقعًا أن يكونوا من رجال النظام لا غير، فخرج مرة أخرى يصرخ بإسقاط الانتخابات التي في واقع أمرها، لم يعترض عليها من حيث المبدأ، وانما اعترض على المناخ والظروف والملابسات والأجواء التي تجري فيها هذه العملية، والتي يرى فيها الشعب أن الشخصيات المرشحة لها لا تهم بقدر ما يهم وجود الكيان العسكري الذي يحكم سلفًا من عدمه.

ليواصل التاريخ كتابة فصل جديد لسعي الشعوب العربية والإسلامية نحو حريتها وسيادتها، وليخط بكلمات من سخط وعار طعنات العسكر الدائمة، وأدًا لغايته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد