بعد نهاية الحرب العالمية الثانية فقدت كل العملات قيمتها النقدية، كما كانت كل اقتصاديات أوروبا منهارة تمامًا، مما أعطى فرصة للاقتصاد الأمريكي والدولار للهيمنة على الاقتصاد العالمي أكثر من أي وقت مضى. إذ أصبح الدولار العملة الأولى عالميًّا، والعملة الوحيدة القابلة للاستبدال بالذهب فورًا (35 دولارًا مقابل 28 غرامًا من الذهب)، يعني أن من يملك الدولار كأنما يملك الذهب، كما أن عملية إصدار الدولار تحدث وفق شروط وضوابط التوازنات النقدية العالمية، لكن مع غرق الولايات المتحدة الأمريكية في المستنقع الفيتنامي، اضطرت إلى إصدار كميات كبيرة من الدولار؛ مما قلل من فرصة الوفاء باستبداله بالذهب.

تفطنت فرنسا للمؤامرة الأمريكية؛ فقررت التخلص من الدولار لديها واستبدال الذهب به، لكن أمريكا رفضت، مما أدى إلى انهيار نظام «بروتن وودز» وسقوط قاعدة الدولار مقابل الذهب سنة 1971، في هذه المرحلة أدركت أمريكا أنها في ورطة قد تؤدي إلى انهيار الدولار الذي بدأ فعلا بالتراجع.

في حرب أكتوبر 1973 امتنعت الدول العربية عن بيع النفط لباقي دول العالم، بحجة مساندتها للكيان الصهيوني، لكنها في الحقيقة كانت خطة بين أمريكا والسعودية من أجل ربط مبيعات النفط بالدولار فقط دون العملات الأخرى، وهو الأمر الذي أرجع القوة للدولار من جديد، ومنذ ذلك الوقت اخترقت منظمة الأوبيك التي لم تستطع السيطرة على إنتاج وأسعار النفط، بل أصبح هناك عوامل أخرى تسيطر على أسعار النفط، ومن بينها الشركات المنتجة للنفط في العالم، التي تسيطر عليها كبرى الدول مثل «أكسون موبيل» الأمريكية، «بريتش بيتروليوم» البريطانية، «سينوبك» الصينية، و«طوطال» الفرنسية، وغيرها.

يعتقد الكثير أن استثمار الدول الكبرى في مجال النفط عن طريق هذه الشركات لهدف الربح، وهو أمر خاطئ؛ لأن الهدف الحقيقي هو الهيمنة والسيطرة على هذه المادة الاستراتيجية، خاصة بالنسبة لأمريكا في ظل ارتباط النفط بالدولار، وأي اضطراب على سوق النفط سينعكس على الدولار.

هذه المقدمة الطويلة هدفها الولوج إلى قضية أثارت جدلًا واسعًا، وهي قانون المحروقات، الذي أثار زوبعة كبيرة لدى كافة فئات المجتمع، التي تباينت في تفاعلها وتعاطيها مع هذه الزوبعة، بين المسَلٌم والرافض لها والمحايد.

يجب أن نتفق على أن فهم قانون المحروقات يحتاج إلى شخص مختص وعبقري وخبير في الوقت نفسه، وهو الأمر الذي يستعصي حتى على أساتذة الاقتصاد والجباية العاديين، وبصفتي واحدًا من هؤلاء الأساتذة العاديين، أجزم بأنه لا يوجد محلل يستطيع إقناع الطبقة العامة بمضمون قانون المحروقات بطريقة علمية، لكن يمكن إيصال بعض المفاهيم بطريقة مبسطة، لكن هناك جملة من الحقائق التي يجب أن نقف عندها، لنفهم حقيقة الزج بهذا القانون في هذه المرحلة، سواء من الجانب الاقتصادي أم السياسي.

1- الجزائر تملك الأرض فقط، وبالتالي لها حق الريع وليس الاستثمار، حتى في ظل الشراكة 51/49%، لكن السؤال المطروح ما فائدة هذه الثروة إذا لم تمتلك التكنولوجيا لاستخراجها وتحويلها…؟ وبالتالي من يملك التكنولوجيا هو شريك أساسي ومن الضروري بالنسبة له ضمان كافة حقوقه، بفرض جملة من الشروط، كما أن حكومة الجزائرية ليست في موقف قوة، خاصة في ظل اعتمادها على عوائد الريع النفطي فقط.

2- أما بالنسبة للمدة الزمنية الطويلة للعقود المبرمة، فهذا أمر شائع في عقود الاستخراج، فليس من المعقول إعادة صرف أموال ضخمة بعد أربع أو خمس سنوات مع شركات أخرى، هذه المصاريف تدخل ضمن التكاليف الثابتة، والتي تنخفض كلما طالت المدة، بالإضافة إلى أن الشركات لا تغامر في عقود قصيرة المدى ترهن نشاطها وأرباحها.

3- الإعفاءات الضريبية هي وسيلة تستخدمها الدول المتخلفة تكنولوجيًّا، ومن بينها الجزائر لاستقطاب الشركات الأجنبية، ليس في مجال النفط بل في كل المجالات، وهو أمر طبيعي فلماذا أثيرت الضجة في عقود النفط بالذات في هذه المرحلة؟ كما أن التحفيز الضريبي من شانه جذب أكبر عدد ممكن الشركات الأجنبية، مما يزيد من فرصة قوة التفاوض للحكومة الجزائرية، وكسب أكثر من شريك يكسر الاحتكار الذي قد يمس بالسيادة الوطنية.

4- هناك سؤال يطرح نفسه هو: منذ متى اهتم عامة المجتمع بقانون المحروقات؟ ولماذا خرج للعلن في هذه المرحلة بالذات؟ هذا السؤال ليس الغرض منه التشكيك في قدرة الشعب على فهمه، ولكنه يوحي بأن هناك أطراف تحاول تعطيل المسار الانتخابي بأي طريقة، باستفزاز الشعب بحملة إعلامية ممنهجة، لزيادة التشويش الذي ظهر جليًّا في الأسابيع الأخيرة، لكن لو كان النقاش في أحقية الحكومة والرئيس الحالي المؤقتين في إبرام العقود سيكون ذلك منطقيًّا؛ لأنهما يفتقدان للقبول الشعبي، وكان من الأجدر تأجيل ذلك إلى ما بعد 12 ديسمبر (كانون الأول) القادم.

5- زيادة حدة التوتر بين الجزائر وفرنسا، قد يكون من أكبر العوامل التي سرعت في المصادقة على قانون المحروقات؛ لأن تعطيل هذا القانون له تبعات أخرى غير الجانب الاقتصادي، خاصة وأن الجيش يسعى إلى تحقيق الهدف الأسمى، وهو الاستقرار الأمني من خلال الاستقرار الاجتماعي عن طريق ضمان العوائد النفطية التي يقتات منها أربعين مليون جزائري.

في الأخير يمكن القول إن تسريب القانون في هذه المرحلة، كان المراد منه عمل عملية تكرير تشبه تكرير البترول للحصول على مخرجات، الهدف منها استفزاز الشعب والتشويش على الجيش، كما أن عملية التمييع التي تعرض لها القانون تشبه عملية تمييع الغاز الطبيعي، ليصبح قابلًا للاستهلاك لدى العامة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد