عادت ثقافة التخييم في الجزائر مع عودة الأمن والاستقرار لها، فأصبحت منتشرة في أوساط الشباب الهاوي للمغامرة، فبأقل التكاليف ومع تحدي قساوة الطبيعة ومعايشة ظروفها، يتسارع الشباب سواء بشكل انفرادي أو مؤطر ضمن نواد أوجمعيات مختصة في المجال في المبيت في العراء للاقتراب من الطبيعة أكثر والشعور بحرية مطلقة بعيدًا عن ضجيج المدن وهوس التكنولوجيا، ولكون الجزائر بلد قارة تتنوع فيها الأقاليم المناخية والتضاريس الطبيعية الخلابة من جبال وغابات ومحميات وصحاري وشواطئ، الأمر الذي جلب الكثير من الزوار والعائلات لقضاء عطلهم والتمتع بسحر وجمال الطبيعة، فسحر البلد لا يكاد يوصف وجب اكتشافه من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.

لقد أثرت العشرية السوداء على جميع الأصعدة، فكان عدم الاستقرار الأمني الهاجس الأكبر، فالسفر والتنقل ليلًا ما بين المدن كان بشق الأنفس وفي بعض الأحيان ممنوع منعًا باتًا، فتضررت السياحة المحلية وغابت مختلف التظاهرات والمنافسات، وانعزل الشباب عن بعضهم، ولكن مع عودة الأمن ودخول الجزائر في مرحلة جديدة وانفتاحها على الثقافات الأخرى، عادت الحياة من جديد لمختلف الرياضات والمسابقات المحلية والدولية وبررزت العديد من الأنشطة  والهوايات كالصيد والتجوال والتسلق.

ولكن مع الارتفاع الرهيب للأسعار في بعض المؤسسات السياحية ونقص الخدمات في البعض الأخر، أدى إلى الكثير إلى العزوف عنها وتفضيل دولًا شقيقة كالجارة تونس، والتي تقدم تسهيلات بالجملة للسياح من انخفاض في التكاليف إلى الجودة في الخدمات.

إن الميزانية المحدودة للشاب تجعله يبحث دائمًا عن البدائل وبأقل ثمن، فالتخييم يضمن له ذلك، حيث لا يكلف الكثير، بل بالعكس يساهم كل واحد من المجموعة بمبلغ معين لاقتناء ما يحتاجونه طيلة ثلاثة أيام أو أسبوع، حسب الفترة المقرر تمضيتها.

فعكس الدول الغربية، أين يصبح التخييم وجهة مفضلة للأغنياء بعيدًا عن زخم الفنادق وأجوائها، فإن الجزائريين من محدودي الدخل أو البطالة خاصة فئة الشباب أصبح ملاذهم الأخير، فبخيم وبأدوات بسيطة يقصدون أماكن طبيعية عذراء، فتتنوع أنشطتهم فيها من ممارسة المشي وتسلق الجبال إلى الغوص في أعماق البحيرات وإكتشاف الكهوف وغيرها من الانشطة، كما تبرز ظاهرة التخييم نوعًا من روح التضامن ما بين الزوار، فيتجلى ذلك فالالتفاف حول النار والمشاركة في الطهي والنظافة إلى غير ذلك.

كما أن الوكالات السياحية استغلت الفرصة ودخلت على الخط وذلك بتأطير الرحلات، وتخصيص الحظائر الوطنية والمحميات كوجهة لها، وأصبحت العملية أكثر تنظيمية وتنسيقية مع المصالح الغابية والأمنية، ولم يعد التخييم حكرًا على الذكور، بل انتقلت العدوى إلى العنصر النسوي والأطفال، وبذلك انتشرت هاته الظاهرة في أوساط المجتمع بجميع فئاته، حيث أصبحت تنظم تظاهرات وطبعات للتخييم والمشي في عدة ولايات من الوطن من قبل جمعيات ونواد أسست لذلك في جميع  فصول السنة ولم يقتصر بذلك على الصيف فقط، فأصبح الشباب الشغوف بالتجوال يبرمج الخرجات بشكل منظم او عشوائي حتى في عطلة نهاية كل أسبوع، كما أن مواقع التواصل الاجتماعي ساهمت بشكل كبير في نقل حمى التخييم لدى الجميع.

يعتقد الكثير بأن الأفلام الغربية هي من روجت لهاته الثقافة، غير أن في الحقيقة إن المجتمعات العربية عرفت هاته الظاهرة منذ القدم، فالمجتمعات الصحراوية متشبعة بهاته التقاليد، غير انها أصبحت أكثر تأطيرًا وتنظيمًا، وأدخلت المعدات والمستلزمات إلى الأسواق بشكل واسع بعدما كان الحصول عليها أمرًا صعب المنال.

إن انتشار هاته الثقافة في أوساط الشباب حتما ينشئ لنا جيل يحب بيئته ويحافظ عليها، ويتعرف أكثر على التنوع البيئي المحيط به من حيوانات ونباتات وصخور وجبال، فالهدف الأسمى من ذلك هو عودة الإنسان إلى مهده الأول مهد نشاته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد