لَكَم سمعنا ورأينا تجليات تلك العلاقات المتكهربة بين المغرب والجزائر، منذ استقلال الجزائر عام 1962 بين بلدين كان حريًا على قياداتها المتعاقبة البحث نحو سبل رأب الصدع بين الطرفين والخروج بحلول من أجل اللحاق بركب الدول المتقدمة، بما أنّ عالم اليوم صار لا يقبل مزيدًا من النزعات الوطنية التي أكل منها الدهر وشرب.

إنّ توتر العلاقات بين الجزائر والمغرب اليوم لا يُعتبر جديدًا في تاريخ العلاقات الثنائية بين البلدين، خصوصًا منذ غلق الحدود بين البلدين عام 1994 جراء ما عُرف بأزمة مراكش، إذ منذ ذلك الحين عرفت العلاقات الثنائية برودًا تخللته بعض فترات الصفاء القليلة.

وكانت آخر مسلسلات هذه العلاقة الفاترة بين البلدين، قيام المغرب بطرد السفير الإيراني والإعلان عن توقيف العلاقات الثنائية مع إيران مطلع مايو (أيار) 2018، بسبب اتهامها لأعضاء في السفارة الإيرانية في الجزائر باستقدام أعضاء من حزب الله اللبناني من أجل القيام بتدريب عسكري لعناصر جبهة البوليساريو فوق الأراضي الجزائرية.

والأدهى أنّ هذا الاتهام الذي قالت عنه المغرب أنه مدعوم بأدلة دامغة، جاء في سياق إقليمي صار ينبئ بانقسام وشيك وسط حالة الاستقطاب الحادة التي تعيشها منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط، بين دول حليفة للمغرب على رأسها الدول الخليجية كالسعودية والبحرين والإمارات، ومن جهةٍ أخرى سعي المغرب لإدخال الجزائر في محور يضم إيران «المغضوب عليها من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وحلفائه في المنطقة»، وكذلك عزلها عن «الإجماع العربي» باعتبار إيران دولة مارقة.

ودون الخوض في تفاصيل الأحداث الجارية، نقرّ بأنّ النزاع المغربي الصحراوي على الصحراء الغربية، الذي تصر المغرب مرارًا على إقحام الجزائر كطرف رئيسي فيه، يعتبر من أشد النزاعات تعقيدًا، نظرًا لأسباب وخلفيات تاريخية متعلقة بطبيعة الأنظمة السياسية في البلدين التي نشأت غداة استقلالها، والذي نعتبره السبب الحقيقي الكامن وراء هذا الخلاف.

فقد نشأ عن تخلي فرنسا عن حمايتها للمغرب نظامٌ ملكي اعتمد النظام الرأسمالي كنظام اقتصادي وسعى إلى تعزيز العلاقة مع الدول المنتمية إلى «العالم الغربي» على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، من خلال العديد من الاتفاقيات الثنائية على رأسها اتفاقية إنشاء منطقة تجارة حرة بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك العلاقات المتميزة بين المغرب والاتحاد الأوروبي في إطار مسار برشلونة أساسًا. إضافةً إلى تقرب المغرب في السنوات الأخيرة من الملكيات الخليجية نظرًا لتشابه نظامها السياسي معها أولا، وكذلك سعيها إلى الخروج من «العزلة» التي عانت منها جراء عدم عضويتها في الاتحاد الأفريقي لمدة طويلة.

أما عن الجزائر، فقد أفرزت «مشاورات ما بعد الاستقلال التي تمت في مؤتمر طرابلس شهر يونيو 1962 تحديدًا» تفضيل التوجه الاشتراكي كنظام اقتصادي للدولة، وكذلك خاصة ما يتعلق بتأكيد الجزائر منذ ذلك التاريخ، وفي مختلف مواثيق الدولة الجزائرية على أنها ستقوم بدعم كافة الحركات التي تسعى إلى التحرر من بطش الاستعمار «التقليدي»، باعتبار أنّ الجزائر قد عانت مثلما لم تُعان أي دولة أخرى من بطش الاستعمار بكافة أشكاله.

نرى في هذه النقطة السبب الكامن وراء توتر العلاقات، إذ لا تتفهم المغرب طبيعة النظام في الجزائر الذي يصر ويؤكد على أنّ دعم الحركات التحررية يعتبر مبدأً في السياسة الخارجية الجزائرية، وليس «مؤامرة» لتقسيم دولة المغرب إلى نصفين، أو تهديد «الوحدة الترابية للمملكة المغربية» كما تؤكّد المغرب.

هذا التفهم يمكن أنّ يؤدي على الأقل إلى إعادة العلاقات إلى ما كانت عليه قبل عام 1994، أي فتح الحدود الثنائية بما يصب في صالح الشعبين، اللذين يتوقان لهذه اللحظة التاريخية، على شاكلة اتفاق السلام التاريخي الذي تم عقده مؤخرًا بين الكوريتين، في واحد من أعقد الصراعات الثنائية في العالم كذلك. وبشكل يسمح للدولتين بإعطاء الأولوية لأجندة التنمية الاقتصادية على حساب النفقات العسكرية الهائلة التي لا تعود بآثار فعلية على المستوى المعيشي لشعبي البلدين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد