أفضت التقلبات السياسية في الجزائر إلى انتخاب رئيس جديد، بعد أكثر من عقدين من حكم بوتفليقة، رئيس يعتبره البعض شرعيًا، ويراه البعض الآخر غير ذلك، وبالرغم من أن المظاهرات لم تتوقف لحد الساعة، إلا أن الانتخابات الأخيرة جعلت المشهد أقرب للتوازن بعد أن كانت كفة الرافضين للانتخابات ولما يحصل في الجزائر هي الأثقل، إلا أن بعض الأمارات والإشارات قبل الانتخابات بأيام قليلة جعلت ثلة من المواطنين يهرعون لصناديق الاقتراع لاعتقادهم أن هذه العلامات تهدد الأمن القومي والسلم الاجتماعي للمواطن الجزائري، ولاعتقادهم أيضًا أن هناك من يريد تحييد الحراك الجزائري عن مساره الصحيح واستغلاله لخدمة قضايا ومشاكل ليست من أولويات الجزائر في الوقت الحاضر. وهو ما يطرح أسئلة جوهرية على الواقع السياسي والاجتماعي في الجزائر اليوم أهمها: ما مصير الحراك الجزائري بعد انتخاب عبد المجيد تبون رئيسًا للجزائر؟ وهل حقق الحراك الجزائري أهدافه مع اقترابه من عامه الأول؟

كان واضحا للجماهير نفسها وللإعلام وللمشهد الدولي أن انشقاقات كبيرة صدعت الحراك الجزائري، منذ بداية الحديث عن ضرورة اختيار الجماهير للممثلين ناطقين باسم الحراك، وهو ما كان أمرًا مستحيلًا في وطن سُيست فيه كل الأطراف على مدار العقدين الماضيين، فالجماهير لم تعد تثق تمامًا في الأحزاب لا الموالية ولا المعارضة، ولا مؤسسات المجتمع المدني ولا حتى الشخصيات التي لها ثقلها على الساحة السياسية الجزائرية، وإن كانت لم تتورط في التعامل مع النظام السابق. جعل هذا الشغور في التمثيل بعض النزعات الفردية والأغراض الذاتية التي لا تخدم الحراك تطغى عليه، وبدأ حماس الجماهير بالفتور يومًا بعد يوم وأصبح الحراك الجزائري يقتصر على كبريات المدن والولايات فقط دون غيرها.

ادّعى الكثير من الوجوه المعروفة أحقيته بتمثيل الحراك ولو ضمنيًا دون تصريح مباشر بذلك، وهو ما جعل الشارع الجزائري ينقسم مرة أخرى بين مؤيد ورافض لذلك تمامًا، وأصبحت مواقع التواصل الاجتماعي حلبة مصارعة بين أطراف متناحرة افتراضيًا، ووجهت التهم والشتائم لكل الناس دون استثناء حتى ميّعت القضية، وأصبحت أقرب لحوار الطرشان، وكل أطرش يدعي الحقيقة المطلقة دون البقية، وأصبح توصيف جوستاف لوبون في أن «الجمهور لا يشك لحظة واحدة في ما يعتقده الحقيقة أو الخطأ، وإن كان الفرد يقبل الاعتراض والمناقشة، فإن الجمهور لا يحتملها أبدًا» ينطبق علينا تمامًا، بالإضافة إلى أن الجمهور جماهير في الجزائر، أي أن الخلاف ليس بين قطبين اثنين، بل بين عدة أقطاب، وهو ما يجعل محاولة الجمع بين الرؤى ووجهات النظر أمرًا صعبًا، وهذا ما ينفي صفة التعقل والوعي عن الحراك الجزائري، كما كان في بداياته، إذ أصبح هو نفسه يحاول ممارسة نوع من الدكتاتورية الأخلاقية على الناس وعلى آرائهم وأفكارهم.

قد يكون الحراك الجزائري فشل في تحقيق كل مطالبه، وقد يكون حقق أهمها، كل حسب وجهة نظره، لكن الدروس المستخلصة من التجربة الجزائرية كثيرة، حتى وإن لم تكن مادية ملموسة فذهنية فكرية يستفيد من الجزائري في مستقبله ومستقبل وطنه، نذكر منها:

– الجماهير التي تفتقد لعنصر التماثل والانسجام بين أفرادها تكون أكثر تعصبًا وأسهل للانشقاق والاضمحلال والضمور، وتكون أسهل للسيطرة والاستقطاب من طرف السلطة السياسية.

– الثورات لا تعتمد على عنصر المفاجئة، ونسبة الصدفة فيها ضئيلة، بل قد يستغرق التخطيط والتحضير لها عقود عدة، ولعل الثورة الفرنسية خير دليل على ذلك.

– الثورات والتغيرات السياسية الهامة تبدأ من ذهنية الجماهير والشعوب، فالثورات التي لا تستطيع تغيير طريقة تفكير الناس هي ثورات قاصرة وناقصة، وحتى لو استطاعت تغيير الواقي السياسي والاجتماعي، إلا أن طريق التنمية سيكون عسيرًا عليها، ولعل الواقع التونسي يثبت هذا.

– إن ترتيب الأولويات والضروريات، وتجاوز الخلافات والاختلافات وتقبل الآخر، أمر في غاية الأهمية في رحلة الجماهير نحو تغيير واقعها فهو يجنبها الانشقاقات ويرسم لها الطريق الصحيح الذي لا يجب أن تحيد عنه.

هذه وكثير من الدروس الأخرى التي لو واصلنا إحصاءها لألفنا مجلدات، إلا أن الاعتقاد الشامل الذي وجب على الجماهير أن لا تنساه وأن تؤمن به هو أن الحقيقة لا يملكها أحد في هذا العالم، وأنه لا وجود لخير مطلق ولا وجود لشر مطلق، وأن من أهم آيات الله في بني البشر أنه خلقهم شعوبًا وقبائل مختلفة سياسيًا، واجتماعيًا، وفكريًا، وثقافيًا، ليتعارفوا لا ليتناحروا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد