نظرا لما تشهده الساحة الثقافية الجزائرية من ندرة في الإنتاجات الفنية، وشبه انعدام للأعمال المسرحية أو السنيمائية أو الدرامية، وفي غياب للممثلين ذوي كفاءة وموهبة قادرين على تجسيد نمط عيش المجتمع الجزائري بسلبياته وإيجابياته وبحلوه ومره، يتولى مجموعة من ما يمكن تسميتهم بأشباه السياسيين ودخلاء على السياسة سد الفراغ وتعويض النقص الحاد والإجحاف الذي يشهده ميدان التمثيل في الجزائر، كل خمس سنوات، تحت ما يسمى بالانتخابات البرلمانية، تشكل الانتخابات التشريعية في الجزائر فرصة لكثير من أطياف المجتمع لتحسين وضعهم المادي، ليس عن طريق مشاريعهم التي يضعونها لأقناع العامة لتصويت لهم بل عن طريق سعيهم للوصول لذاك الكرسي الذي يمنحهم امتيازات الوزراء، فما إن أعلنت السلطات فتح باب الترشيحات للتشريعيات في مايو القادم حتى بدأ المترشحون يتهافتون على مراكز دفع ملفات الترشح، مرشحون في أغلبهم لا يملكون من العلم والفكر والشهادات سوى شهادة الميلاد، لذلك تجد أغلبهم من ذوي رؤوس الأموال، الذين يدفعون لتلك الأحزاب العتيقة والكبرى أموالًا طائلة فقد ليتصدروا قوائمهم الانتخابية، وهناك من لن يحالفهم الحظ في إيجاد أحزاب تحتويهم، فتجدهم صباح مساء يسعون لجمع توقيعات حتى يقبل ترشحهم، توقيعات لا تقدم إلا بعد شراء ذمم أصحابها، ليبقى الجزء الأهم والأصعب في طريق الوصول للكرسي الأزرق هو حشد الناس وإقناعهم من أنه أحق من غيره بالمقعد البرلماني، بدأت الحملة الانتخابية إذا، وبدأت العروض المسرحية، مسرحيات تختلف كليًا عما تعلمناه في جامعتنا عن مسرح شكسبير وأحمد شوقي، مسرحيات لا تطلب تلك المسارح العملاقة وتلك الأضواء والخلفيات والديكورات، فهي تعرض في أي مكان ساحات عامة، ملاعب كرة القدم وحتى المقاهي، بالإضافة إلى أنها لا تتطلب راويًا ولا  سيناريو ولا حوارًا، أولا لأنها لا تطلب أكثر من ممثل، وثانيًا لأن النصوص هي ذاتها كل خمس سنوات، لكن أكثر ما يعجبني هو قدرة ذلك الممثل على الجمع بين المأساة والملهاة فتارة يعطيك إحساسًا بأن  الوضع كارثي وتارة يسعى لإقناعك بأنه يملك خاتم سليمان وأو عصى سحرية، وكل ما عليك فعله هو التصويت له حتى يفتح لك بابًا في الجنة، وبين هذا وذاك تتخللها لحظات تذكرني بقول ابن خلدون إذا دخلت إفريقيا فوافق أو نافق…، والأهم من كل هذا أن مثل هذه المسرحيات لا تطلب الوقوف في طابورات بيع التذاكر، بل الدخول فيها مجاني بل ويصل الحد بعض الأحيان إلى دفع مقابل للناس حتى يحضروها، لكن أكثر ما يحيرني ويثير استغرابي ويجعلني أطرح ألف سؤال في ثانية، هو تلك الإنسانية المفرطة التي تنتابهم قبيل أيام معدود من يوم الانتخابات فتجدهم لا يتركون لا مأتمًا ولاعرسًا إلا وتواجدوا فيه، والأمر الغريب الآخر هو أين يختفي هؤلاء بعد الانتخابات وطيلة خمس سنوات . والأهم من ذلك هذا لماذا يكلف هؤلاء أنفسهم ذلك العناء من أجل انتخابات نتائجها معروفة سلفًا، ولا تستند لأدنى مصداقية ولا شفافية، ومن أجل برلمان لا يملك من الصلاحيات سوى تأييد القوانين والقرارات العليا دون أدني مناقشة أو تصويت،و الأكثر استفزاز من كل هذا هو تكرار نفس الوجوه ونفس الأشخاص  على رأس القوائم وهو ما يشعرك دائمًا أننا نعيش في زمن الرداءة وهم أهلها على حد تعبير عبد الحميد مهري رحمه الله.  

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد