لا أقصد هنا الحديث عن أهرامات منطقة «الأجدار» الأثرية في الغرب الجزائري، تلك الأهرامات التي ترْدِمها وزارات الثقافة والسياحة عندنا على مر الدهور والعصور، تمامًا كما يردمون كل شيء له صلة بالجزائر الجميلة منذ عقود.

تلك الأهرامات المسكينة ليست لها فراعنة حتى نرويَ قصتَها، وإنما الفراعنةُ في يوم الناس هذا حيث تستبق الأمم لبناء الدول على أسس العلم والتكنولوجيا والقيم الحضارية والتاريخية لكلِّ أمة منها، تتعرض بلدة شبابية إلى الهدم على أيدي فراعنة العصر ومومياوات القصر، هؤلاء الذين يقبضون على أزمَّة الحكم بيدٍ من حديد ونار، يُكرّسون للتفرعُن في كل دوائر السلطة من أعلاها إلى أدناها، فنحن مثلًا بين يدي ما يسمى بانتخابات المجالس البلدية والولائية، التي يختار فيها الشعب من يمثل البلدية والولاية من الكفاءات الذين لهم خبرة في التسيير والإدارة والتخطيط والتحديث، هذا ما يُفترَض أن يكون، أو ما هو مكتوب على الأوراق على الأقل.

لكن الحقيقة أن الشعب يتفاجأ في نهاية كل نوفمبر (تشرين الثاني) -وهو شهر الثورة المجيدة- بإعادة استحضار شيوخٍ من العهد القديم الذي ظننَّنا أنه باد؛ ولكنه -بعد خطاب سطيف الشهير «ارفع راسك يا بَّا، طابْ جْنانْنا»- عاد، وكأن ذاك الخطاب المشؤوم هو آخر خنجر في جسد هذه الأمة.

كل يومٍ يُنَصِّبون فرعونًا جديدًا يدَّعي أنه إله ذلك الميدان، يأمر بقتل كل الولدان الذين ربما سينافسونه بعد 50 سنة في السلطة ويزاحمونه على كرسي الحكم، بعد 10 سنواتٍ من البطالة والتطبيل لعهدة رابعة وخامسة؛ نُصِّبَ رابح ماجر ليُدرِّب الفريق الوطني براتب قدره 400 مليون سنتيم، أي ما يعادل 100 ضِعْف راتب أستاذ ثانوي، أو ما يعادل 1000 ضعف منحة ذوي الاحتياجات الخاصة في الجزائر، رابح ماجر يساوي مئة أستاذ، ويساوي ألف مواطن من مساكين الجزائر، راتبٌ خياليٌّ يُصرف لشخصٍ واحد ليس له أي إنجاز؛ بينما يتنقل تلاميذ المناطق النائية إلى مدارسهم مشيًا على الأرجل، أو ركوبًا على ظهور الحمير والبغال في أجواء قاسية والصقيع يجمد أصابعهم وأجسادهم النحيلة؛ ولكن ذلك الراتب يُصرف لمن؟

يُصرف لرابح ماجر الذي يتكلم في المؤتمرات الصحافية باللغة الفرنسية، ويصرخ في وجه الصحافي الذي طرح سؤالًا لم يعجب فرعون المنتخب الوطني، فصرخ في وجهه وأمر بطرده من المؤتمر وطالبه بالخروج للتقاعد!

نعم، والله إنها قصة حقيقية وليست نكتة من نسج الخيال، رابح ماجر الذي كان يدعم العهدة الرابعة لشيخ كان عمره حينها نحو 76 سنة، يأتي ليطالب ذلك الصحافي بالخروج للتقاعد علمًا بأن الصحافي عمره الآن في منتصف الخمسينات وهو أصغر سنًّا من فرعون المنتخب الوطني، كما أنه لا يتلقى راتبًا قيمته 400 مليون، هل يمكن أن تحدُث هذه المسخرة في مجتمع يحترم نفسه أو في دولة تحترم نفسها؟

أبدًا واللهِ، فراعنة الجزائر يخدُم بعضهم بعضًا، ويتعاونون لا على البِرِّ والتقوى، وإنما على الإثم والعدوان على الشعب المسكين الذي غرِق شبابه في بحر الظلمات طالبًا رحمة القارة العجوز، بينما عجائزهم تترنَّح بين زجاجة خمر في الـ club des pins، وبين شفير الحُفَر في مقبرة العالية.

ليس هناك خلافٌ بين الجزائريين على أن البلاد تعيش أسوأ حالاتها، حتى أولئك الذين يملكون حِسًّا تفاؤليا مُفِرِطًا بدؤوا يتراجعون بخطواتٍ واسعة إلى الخلف؛ لأنهم أدركوا أن الإرث الثوري يُسحب من تحت أرجلهم دون أن يجدوا فرصةً للإمساك بشيء من الحق المسلوب، كثيرٌ ممن تنعَّمَ بأفياء البترول اكتشفوا أنها نعمةٌ أسوأ من ألف نقمة، فلا البترول عاد يضمن لهم معيشة ثرية كما في السابق، ولا بقيت لهم قيمتهم المجتمعية التي كانوا يحلمون بتوطيدها عشية الاستقلال، هؤلاء نخبة نوفمبر الذين صدَّعوا رؤوسنا بالحفاظ على مكتسبات الثورة المجيدة حتى لو تعثَّر شيوخ السلطة بعضَ الأحيان، علِموا أنهم شاركوا في جريمة سرقة الثورة، وأنهم نصَّبوا فراعنةً مارسوا ألوهيَّتهم على الشعب المقهور الذي ما اكتملت أفراحه بخروج المحتلِّ الفرنسي حتى اهتزَّت من تحت أقدامه الأرضُ بنباتٍ غيرِ طيب، نباتٌ يبدو أن سِقايته من مياه نهر السِّين!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد