أذكر يوم تنحي مبارك عن حكم مصر في 11 فبراير (شباط) 2011 كنت قد بكيت فرحًا، بكيت بشدة كبيرة، كانت المشاعر مختلطة حينها بين الفخر والعزة بالنفس لفرض الإرادة على سلطة أقل ما قيل فيها إنها (ديكتاتورية) مكتملة الأجزاء.

وبين مشاعر بحب الوطن والعودة لأحضانه من جديد، لم يكن أحد حينها يعلم ولا أكثر الناس بصيرة يتنبأ بما سيحدث مستقبلًا ولا ما وصلنا إليه الآن. لذلك فإن التاريخ لا يؤخذ للدراسة فقط، لكن للاعتبار والتعلم والانتقال إلى حاضر ومستقبل أكثر إشراقًا. إذًا فما فائدة تلك الأحداث في مصر حتى وإن كانت قريبة إذا لم ناخذ منها عبرة لوضع رؤيه صحيحة في ثورة الشعب الجزائري ولاستقراء الواقع منها! ربما يبدو الأمر مختلف بعض الشيء وهذا ما يظهر من خلال تطور الأحداث في الجزائر.

أولًا.. (لا للعهدة الخامسة) بدأت ثورة الجزائر في ٢٢ فبراير للمطالبة بعدم ترشح بوتفليقة لفترة رئاسيه خامسة بعد أنباء عن دخوله معترك الاستحقاقات الانتخابيهدة مرة أخرى.

ثانيًا.. (الشعب يريد إسقاط النظام) ثم تتطور الأمر أكثر بعد ترشح بوتفليقة وارتفع سقف المطالب إلى إسقاط النظام بأكمله.

ثالثًا.. يخرج علينا بوتفليقة في بيان ليعلن (سحب ترشحه، واستقالة الحكومة، وتأجيل الانتخابات إلى أجل غير مسمى).

فبالنظر في مراحل تتطور الثورة سنجد عدة أمور:

أولًا.. كانت الثورة منذ اليوم الأول تفتقد إلى الرؤيه الكاملة للبديل السياسي (ماذا بعد إسقاط ولايه بوتفليقة والمنتهيهدة دستوريًا في أبريل (نيسان) المقبل! ماذا بعد استقالة الحكومة؟ ماذا كان موقف الثورة إذا خرج بوتفليقة منذ أول يوم وأعلن عدم ترشحه؟) هل ستنتهي الثورة، أم سيرتفع سقف المطالب؟

ثانيًا.. إن تنازل بوتفليقة عن ترشحه واستقالة الحكومة وتأجيل الانتخابات لا ينذر إلا بعدة أمور.

ا) ظاهر الأمر هو تحقيق لمطالب الشعب (لا للعهدة الخامسة، إسقاط النظام المتمثل في الحكومة والرئيس والبرلمان) لكن هناك الوجه الثاني للأمر وهو مد الاستحقاقات إلى أجل غير مسمى وكأنه قرار ذو وجهين لا يمكنك الحصول على أحدهما دون الآخر.

٢) تأخر البيان يعني أن الأمر في داخل المطبخ السياسي ما زال قيد البحث، وأتى على غير موعدة. مما يضع دائرة اتخاذ القرار الحقيقية المباشرة (فرنسا) أو غير المباشرة (أمريكا بحكم قوتها العظمى بالعالم) في موضع حرج لعدم إعداد البديل بعد.

٣) إن عدم اصطدام الدولة بالمتظاهرين (وهو عكس سياسة الأنظمة العربية) يعكس مدى سيطرة النظام على الوضع بعد. ولا تضطر الأنظمة إلى استخدام العنف إلى في حالة وفقد السيطرة على مجريات الأمور والخوف على مصالحها. ولعل ذلك يظهر جليًا في جميع ثورات الربيع العربي (تونس، ليبيا، اليمن، سوريا) وكذلك مصر اصطدام أولًا من جانب الشرطة المصرية، ثم بعد ذلك سيطرة الجيش عل  الأمر ثم اصطدام من جانب الجيش والدولة (ماسبيرو، محمد محمود، الاتحادية) ثم انقلاب يوليو (تموز) وما بعده حتى الآن.

ثالثًا.. على التيار الإسلامي رسم رؤية حقيقة لما بعد الحراك متتمثل في (مشاركة توعوية) فقط للوصول إلى تنميه فكرة تخدم دعوته على المدى البعيد، وذلك لأن مشاركة إسلامية في أي استحقاقات تابعة للحراك الشعبي سيؤدي إلى ضرب المشروع الإسلامي في مقتل، وما أحداث التسعينات في الجزائر ببعيد.

رابعًا.. على جميع الحركات الإسلامية (السياسية) السعي إلى تخطيط مشروع إسلامي كامل وفق منهجية إسلامية بحتة مع الأخذ بالاعتبار أن جميع المشكلات السياسية والاقتصادية (الوضعية) لا تحل وفق منظور إسلامي، وبالتالي لا يوجد حتى الآن نموذج سياسي إسلامي فاشل نعم، لكن أيضًا لا يوجد نموذج ناجح بعد.
وأخيرًا إن أهم ما يميز الشعوب العربية هي الصبر والمثابرة ومتى اقترن ذلك برؤيه واضحة وفكر توعوي حقيقي كان النجاح والتوفيق بإذن الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد