ترفع السلطة الفعلية اليوم في الجزائر شعار القضاء على الدولة العميقة في محاولة لركوب الثورة، والعبارة يقصد بها دولة المخابرات التي كان يقودها الجنرال المتقاعد «محمد مدين» المُقال منذ 2015، وهي عبارة جديدة نسبيًّا في قاموس الجزائر السياسي والشعبي، حلَّت في الاستعمال الإعلامي محل عبارة أخرى ذات صلة بالعمق، هي الجزائر العميقة، وهي المناطق البعيدة عن العاصمة، والمدن الكبرى مثل وهران وقسنطينة وعنابة، مدن وقرى ومداشر تعاني مشاكل وظروفًا خاصة، لا يتحدث عنها أحد، ولا تجد لها مكانًا على أعمدة الجرائد وأخبار الفضائيات؛ فالجزائر بلد قارة تعرف تنوعات طبيعية ومناخية وثقافية وإثنية كبيرة جدًّا، بما لا يمكن لعاصمة مركزية واحدة، وعدد من المدن الكبرى المتمركزة في الساحل أن تعكسه.

«البيض» حيث أعيش، مدينة صغيرة أنشأها الاستعمار في القرن التاسع عشر حول ثكنة كانت مركزًا عسكريًّا متقدمًا؛ لمجابهة المقاومة الشعبية آنذاك، توسعت المدينة تدريجيًّا، وأضحت ولاية بعد الاستقلال، اقتصادها يقوم أساسًا على الرعي وتربية الماشية، كونها تقع في الشريط السهبي الممتد على عرض الجزائر، فسكانها أغلبهم من مُربي الماشية أو الإداريين في الوظائف الحكومية مع نسبة قليلة من التجار، يعيش أغلبهم متذمرين من أوضاعهم؛ بسبب ما تعرضت له ولايتهم وما تزال من تهميش وإقصاء في التنمية، هو شعور تتقاسمه الولايات السهبية والصحراوية عمومًا، بحكم بُعدها عن العاصمة، وعن ولايات تعد في نظر أهل هذه المناطق المحرومة، ولايات محظوظة ومفضلة.

لا يوجد في «البيض» غير مسبح وحيد موروث من العهد الاستعماري، مقصد للأطفال والشباب خلال الصيف، أما في الشتاء، فلا مكان يتوجه له هؤلاء غير المقاهي، خاصة وأن البطالة حالة مستعصية في مناطق الجزائر العميقة؛ إذ إن فرص العمل الحكومي أو الحر تكاد تنعدم؛إذ تختنق مقاهي المدينة وشوارعها بالبطّالين من مختلف الأعمار، وليس غريبًا أن تصادف من يخبرك أنه بطّال منذ 20 سنة، حتى بعد زواجه وخلفته لمجموعة أبناء، فأكثر شيء متوفر في هذه المناطق هو الصبر.

كان «للبيض» الكثير من أبنائها من بلغوا مراتب كبيرة في النظام، مثل الجنرالات، والوزراء، والولاة، ونواب البرلمان، هؤلاء مثّلوا دومًا لأهل «البيض» أملًا لإنقاذ ولايتهم من البؤس، وتحقيق وساطة لها عند أصحاب القرار في العاصمة لإفادتها بمشاريع تنموية في السكن، والتهيئة، والتعليم، والمرافق الرياضية، والطرقات، ومناصب عمل للشباب، غير أن الأمل خاب سريعًا، واتضح أن أولئك المسئولين المنحدرين من «البيض» لا يملكون لها أي نفع، وهذا ما يزيد درجات السخط والتذمر بين «البيضيين» من ممثليهم المفترضين في السلطة.

تشارك «البيض» باستمرار في المظاهرات الشعبية كل جمعة، منذ أن بدأ الحراك الثوري شهر فبراير (شباط/فيفري) الماضي، غير أن كثيرين انسحبوا من تلك المظاهرات بعد تدخل الجيش واستلامه زمام الأمور في الجزائر؛ إذ يتوقع المنسحبون أن أوضاع مدينتهم وولايتهم ستتحسن لو أنهم التزموا الصمت، واصطفوا مع الجيش الذي ينادي اليوم بمحاربة الفساد، وينتظر هؤلاء أيضًا بما لا يزال يتوفر لديهم من مخزون الصبر الكبير، حركة محاربة الفساد المعلنة التي ستصل ذات يوم إلى ولايتهم لتريحهم من الفاسدين، الذين اغتنوا وجمعوا ثرواتهم المشبوهة من عرق البسطاء.

طوال أمد الفقر، والعوز، ومقارعة البؤس، وشظف العيش، رسخ لدى أهل الجزائر العميقة وعيًّا ساذجًا، يرسم الحل يومًا بيد السلطة، فتلك السنوات وهم بعيدون عن أعين الساسة في العاصمة واهتمامهم، أبعدتهم أيضًا عن الطموح في تغييرات ثورية تقلب رأسًا على عقب حياتهم البائسة الرتيبة، فجل مطالبهم تتلخص في تسوية طريق، أو منصب عمل بأجر زهيد، أو سكن ضمن مشاريع السكنات الشعبية، ولا شيء أكثر، وحتى إن لم ينالوا شيئًا من ذلك، وهذا احتمال يتوقعونه بقوة، عادوا للتَقَوَّت على الصبر، ورتابة الحياة، مثل ملايين مثلهم في الجزائر العميقة، التي للمفارقة تستفيد من 10% من مصروفات الدولة، وتمثل 90% من نسب المشاركة في الانتخابات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد