في صلح الحُديبية وحين أرسلت قريش سُهيلَ بنَ عمرٍو لإجراء المعاهدة بينهم وبين المسلمين، دعا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عليَّ بنَ أبي طالب – رضي الله عنه – وقال له: «اُكتب بسم الله الرحمن الرحيم»، فقال سُهيل وهو مبعوث المشركين حينها -: أمَّا الرحمن، فما أدري ما هو؟ ولكن اكتب: «باسمك اللهم، كما كنت تكتب»، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا «بسم الله الرحمن الرحيم»، فرضيَ رسول الله – عليه السلام – بأن يكتب في وثيقة العهد «باسمك اللهمَّ»، لأن هذه العبارة تُرضي جميع الأطراف سواءٌ المسلمون أو المشركون، وليس فيها أي مخالفة شرعية ولا فيها ما يخالف عقيدة مشركي قريش.

هكذا تذكرتُ صلح الحديبية هذه الأيام التي سمعنا فيها وسمع الجزائريون عن قرار «نورية بن غبريط» – وزيرة التربية في بلادنا! – القاضي بحذف البسملة من الكتب المدرسية. هذا القرار أثار حفيظة كل الجزائريين الذين رأوا فيه اعتداءً صارخًا على القيم الإسلامية وثوابت الأمة التي تتابعت عليها الأجيال خلال 14 قرنًا بما فيها الحِقْبة الاستعمارية، وأصدرت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بيانًا استنكاريًّا أوضحتْ فيه موقف العلماء وموقف الشعب الجزائري من هذا القرار «الوزاري»، جاء في نص البيان ما يلي: «تالله لقد آلمتنا قضية حذف البسملة من كتبنا المدرسية، وخاصة كتب المرحلة الابتدائية، باسم ما يسمى بالإصلاح … وحيث إن البسملة جزء من هويتنا، ومن عقيدتنا، فإن حذفها يمثل اعتداءً على عقول أطفالنا، ومساساً بشخصيتنا وهويتنا».

لا شك أن خطاب جمعية العلماء يتَّسِم بكثيرٍ من التحفُّظ، وإن كانت فيه إشاراتٌ توحي بأن هناك غضبًا عارمًا تجاه سياسة «نورية بن غبريط» التي بدأت منذ استقدامها على رأس الوزارة بما وصفته أنه «إصلاحات الكتاب المدرسي» وتحديثٌ له، وقد كان هذا الإصلاح وهذا التحديث في صورته الواضحة ليس سوى فَرْنَسَةٍ للمنهاج التعليمي الذي يتلقَّاه أطفال الجزائر «المستقلَّة».

فمن بين أشكال الإصلاح إلزامية كتابةالرموز الرياضية بالحروف اللاتينية بحيث يتوجب على التلميذ أن يكتب العبارة اللغوية بالعربية من اليمين إلى اليسار، ثم ينتقل في السطر الذي يليه إلى كتابة العبارة الرياضية (معادلات، أو عمليات حسابية وغيرها) من اليسار إلى اليمين وكتابة الرموز بالحروف اللاتينية، وهذا الإجراء الخطير الذي لم يتحدثْ عنه الكثيرُ من المراقبين وتمَّ تمريره في غفلة عن النخبة الإسلامية والشخصيات الوطنية وعن المجتمع الجزائري؛ كان هو بداية التغريب الذي سيضرب الكتاب المدرسي الجزائري لإخراج أجيال لا تؤمن بثلاثية الأمة الجزائرية (الإسلام – العروبة – الأمازيغية)!

هذا الموضوع ليس محصورًا في حذف عبارة «بسم الله الرحمن الرحيم» من الكتب المدرسية، بل يجب أن نعي جميعًا أنه مشروعٌ فرنسيٌّ بامتياز ولا أدلَّ على ذلك من أن أرباب هذه الفكرة هم زعماء الفرنكوفونية في بلادنا ومن بينهم خادمة فرنسا في الجزائر والتي كانت لها عدة لقاءات مع شخصيات في المخابرات الفرنسية وُضعت عندها ألف علامة استفهام، إذ ما علاقة وزارة التربية بالميدان الاستخباراتي؟!

لا نزال نتمتع بكثيرٍ من حسن الظن ومَزيد من الغفلة وأحيانًا الخوف من أن نضع النقاط على الحروف، يجب على الكُتَّاب والفقهاء والإعلاميين وكل من بقيت فيه رائحة الجزائر أن يهُبُّوا بكل قوة للدفاع عن «استقلال الجزائر» أمام جحافل الغزو الفرنسي التي يبدو أنها لم تكتفِ بنهب ثرواتنا -باسم الشركات متعددة الجنسيات والاستثمار الأجنبي المباشر-، بل هي الآن -وقبل الآن- تحارب الجزائريين في لغتهم وإسلامهم حربًا مكتملة الأركان واضحة المَعالم، وليس هناك من ردة فعل مناسبة سوى أن نحارب من يحاربنا في قِيَمنا وثوابتنا.

أقول هذا في وقتٍ تشهد فيه المدرسة التركية -العلمانية!- رجوعًا إلى قيم المجتمع التركي البسيط وتقرر وزارة التربية هنالك حذف تدريس حياة مؤسس الجمهورية «مصطفى كمال أتاتورك» وتعويضها بتدريس فصول من السيرة النبوية، ليس لشيء سوى لأن الشعب التركي شعبٌ مسلم ويجب أن يتلقى أبناؤه تعليمًا إسلاميًّا يتوافق مع عقيدتهم وأعرافهم التي عاشوا بها عدة قرونٍ من الزمن، أما هنا في الجزائر التي يحتفلون باستقلالها عن «الإمبراطورية الفرنسية» منذ 55 سنة، فهم الآن يحاربون ما حاربتْه فرنسا ويسالمون ما سالمتْه فرنسا، وكأن الثورة لا تزال مشتعلة الجمرات لم تَهْمَدْ بعدُ!

علينا أن نستحضر هنا قضية مهمة جدًا لمعالجة هذا الأمر، فقد تزامنت هذه الهجمة الشرسة من قِبَل وزارة التربية على قيم الجزائريين بحركةٍ مشبوهةٍ أو قل: هي حركة ظاهرها الحق وباطنها الباطل وتزوير الحقائق .. «الجزائر الأمازيغية»! هذه العبارة الرنَّانة التي تدغدغ مشاعر آلاف الشباب في منطقة «القبائل» وتصل ببعضهم إلى المطالبة بالانفصال عن الجمهورية الجزائرية، ولكنهم يتفقون في المطالبة بتدريس اللغة والثقافة الأمازيغيتين، وقد نجحوا في كسب الاعتراف «الرسمي» بأن لغتهم لغةٌ وطنية ثم الاعتراف بأن لغتهم لغة دستورية.

وهذا «التحرُّك» قد يبدو للوهلة الأولى حقًّا يجب الإيمان به وانتزاعه، لأن لكلِّ شعبٍ الحقَّ في أن يتلقى تعليمًا خاصًا بلغته وثقافته، هؤلاء المطالبون بأمزغة الجزائر هم على رأس القائمة التي تؤمن بفرنسا رمزًا للحرية والحضارة والديموقراطية، نحن نعرفهم جيدًا ونعرف أن لغتهم الفعلية في الكتابة والحوار الإعلامي ليست سوى اللغة الفرنسية، والمبادئ التي يؤمنون بها هي مبادئ الدولة الفرنسية من شُعورهم حتى أخامص أقدامهم، ولا يستعملون الأمازيغية إلا للزِّينة وإرضاءً للطبقات البسيطة من أتباعهم الذين لا يفهمون اللعبة، أما نضالهم الوحيد فهو محاربة العروبة والإسلام والتسبيح بحمد فرنسا في الغُدُوِّ والآصال!

إذَن يمكننا مقارنة الحركة الأمازيغية في الجزائر والشمال الأفريقي تمامًا بالحركات الكردية في سوريا والتي تترنح بين مسؤولين متحالفين مع أمريكا التي تعدهم بدولة قومية تحظى باعتراف  «الأمم المتحدة»، وبين مجتمعات كردية بسيطة عاشت حضارتها بتناغمٍ كامل مع المجتمعات العربية والتركمانية والسريانية والإيزيدية وغيرها.

فالأكراد حاليًّا -سواء حزب العمال الكردستاني أو فروعه التي أنشأتها أمريكا لانتشالها من وصمة قائمة الإرهاب- ليسوا سوى أدوات تخريبية أدَّت مهمة قذرة جدًا في ضرب الثورة السورية وإلحاق الضرر بالتنمية التي تشهدها تركيا، وفي الأخير لن تقوم للأكراد دولةٌ ما دام زعماؤهم يؤدُّون وظائفهم لصالح البيت الأبيض، كذلك أقطاب الحركة الأمازيغية عندنا والذين وجدناهم يؤيِّدون ما يسمى بـ«إصلاحات» وزيرة التربية للكتاب المدرسي، فقط لكونهم ظفروا بسويعات قلائل لتدريس شيءٍ من ثقافتهم ولغتهم بحرفٍ لاتينيٍّ مُبين!

هل يظُنُّ هؤلاء أن أَمْزَغَة الجزائر تمُرُّ بجوار قصر الإيليزيه؟ إن كانوا يظنون كذلك فسوف تكون نتيجة مساعيهم صادمةً لهم، لأن فرنسا الاستعمارية إذا ابتسمت لهم فإنما تريد توظيفهم عبيدًا في مشروعها الاستيطاني لا أكثر ولا أقل، لذا عليهم ألا يتفاءلوا كثيرًا بالدعم الذي يتلقَّونه من باريس من خلال المحافظة السامية للغة الأمازيغية.

رسالتي إلى كل جزائري حرٍّ؛ لا يُهِمُّني أن تكون عربيًّا أم قبائليًّا أم شاويًّا أم ميزابيًّا أم تارقيًّا، ولا يُهِمُّني ولاءاتك الحزبية ولا انتماءاتك المذهبية الدينية أبدًا، أتلمَّحُ فيك شعلة الثورة التي أراها تكاد تخبو في صدرك، أخاطب فيك رجل الثورة المقدَّسة بالله عليك أجبْ واصرُخْ عاليًا: هل نحن في طريق الاستقلال؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد