نحن الآن في سنة 2018، ليس هناك مزيد من الدهشة في سائر هذا الكوكب؛ لأن كل ما يثير استغراب العقل البشري قد تلاشى تدريجيًّا باقتحام الإنسان الكثير من المحطات المتهورة، آلاف من البشر يموتون بطرق جهنمية غاية في البشاعة، على شريط الأخبار السفلي، وفي الأخبار العاجلة، وعلى رسائل التلغرام وتويتر، ومنشورات الفيسبوك الطويلة، وفي خدمات الأخبار يوميًّا نقرأ ونسمع بهلاك مجموعة من بني آدم قصفًا عن طريق الخطأ، أو بقنابل نووية صغيرة «cute» أو بقنابل عنقودية، أو بالسلاح الكيماوي، أو بانهيار جسور وبنايات قديمة وأخرى حديثة، بانفجارات وتفجيرات انتحارية مقدسة، بأخطاء طبية فظيعة، يموتون بغضب السلطان وبغموض السرطان، يموتون في أقفاص ذهبية، وأحيانًا باعتقالات تعسفية، أو في حوادث مرور أطلقوا عليها اسم إرهاب الطرقات، أنباء الموت تصل إلينا ونحن نتناول الغداء ونضحك مع أصدقائنا على مسنجر، أو ونحن نستمتع بسرعة المحادثات في الواتساب، البريد الإلكتروني بات وسيلة تقليدية قديمة نلجأ إليها في حالات محددة، التلفاز أصبح كبيرًا جدًّا لتأثيث البيت الجديد، نحن في سنة 2018 كل شيء عاديٌّ، عاديٌّ جدًّا، إلا في الجزائر!

منذ أيام، أعلنت مستشفيات بالجزائر العاصمة، وبمدينة الزهور البُليدة، وفي مُدُن كبرى من جزائرنا الدولة– القارَّة أن عشرات المواطنين قد أصيبوا بالكوليرا، توفي اثنان أو ثلاثة، إذ عدد الوفيات غير منضبط، وكذلك يبدو غيرَ مهم في الـ2018، في هذا العام الذي يعلن فيه المسؤولون الجزائريون عن عظمة البلاد، وأنها «قوة إقليمية» تلعب دورًا مؤثرًا جدًّا في رسم مستقبل كوكب الأرض؛ تزور الكوليرا – هذا المرض البدائي الرجعي الظلامي المتخلف- أبناءَ القوة الإقليمية بكل وقاحة، لم يستحِ وباء الكوليرا أن يتجرأ علينا ونحن الضاحكون على البلدان المتخلفة: دول أفريقيا وبعض الدول الإسلامية والعربية التي ترزح تحت نيران الحروب الأهلية «اليمن، سوريا، الصومال، أفغانستان…»، ضحكنا عشرات المرات بعد الكوليرا، وزعمنا لأنفسنا أنها خدعة أفشاها النظام ليمازحنا ويلعب معنا لعبة الغُمَّيْضة، العقل الباطن المليء بذاكرة مكدَّرة أقنعَنا بذلك، ترحمنا على الموتى، ودعونا للمرضى بالشفاء العاجل، قبل ذلك كنا نضحك على أمين الزاوي الذي اشمأزَّ من البداوة الإسلامية متمثلةً في شعيرة النحر، إذ كتب في إحدى الجرائد الفرنسية أن نحر الأضاحي هو تشويه لجمال العمران الفرنسي الذي بناه المستعمر على أرضنا الكريمة، كنا نعرف جيدًا من هو أمين الزاوي؟ ولماذا كتب ذلك؟ وكيف كان وإلى أي شيء يرنو؟ ومع ذلك ضحكنا ضحكات طويلة قبل أن يداهمنا المرض الرجعي الظلامي البدوي المتخلف.

تأخر الصيف هذا العام وزرع بيننا كثيرًا من آثاره الجميلة التي لا نحسن التعامل معها، نحن البدويون الظلاميون، موسم الاصطياف على شطآن البحر الأبيض المتوسط، والتنزه في المساحات الخضراء التي أنشأتها الحكومة الموقرة في كل مدينة، وقرية، وشارع، وأمام كل بيت، بالإضافة إلى تلك المخلوقات الجميلة التي تزورنا في فصل الصيف حتى تخفف عنا ضغط الحرارة وطول النهار الممتد على ظهورنا، كنا نظن أن تلك المخلوقات مؤذية بطبيعتها السامة، لكن وزير الصحة أصدر مرسومًا نافذًا يعد العقارب مخلوقات مسالمة قابلة للتعايش، وأن الشعب فقط هو من يجعلها عدوانية بسبب الطبيعة السامة الموجودة في الشعب، وهكذا تعرضت الدكتورة عائشة عويسات للموت لأنها -حسب المرسوم الوزاري- ظلمت العقرب، وجزاء الظلم هو رد فعل غير متوقع قد يكون في حالة كهذه القتل، رحم الله عائشة، ورحم الله عقارب الزمن التي تعرضت للقتل على أيدي الشعب المتغطرس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد