عندما جاء بوتفليقة سنة 1999 كان هناك شبه توافق بين المؤسسات الحاكمة في الجزائر، المؤسسة العسكرية ومديرية الاستعلامات والأمن ومؤسسة الرئاسة.. في سنة 2004 بدأ الصراع بين هاته المؤسسات؛ لتبدأ سياسة الأحلاف؛ فتشكل حلفًا بين مؤسسة الرئاسة بقيادة الرئيس بوتفليقة وبين مديرية الاستعلامات تحت إمرة الجنرال محمد مدين المدعو توفيق، ضد المؤسسة العسكرية التي كانت تحت قيادة محمد العماري، بدأ الصراع نتيجة قرار بوتفليقة الترشح لعهدة ثانية، وهذا ما كانت ترفضه المؤسسة العسكرية، ففضلت دعم مرشحها بن فليس، في الأخير انتصر حلف الرئيس ومديرية الأمن على المؤسسة العسكرية انتهى هذا الصراع باستقالة محمد العماري من قيادة الأركان.

في تلك الفترة أي طيلة الفترة الثانية للرئيس بوتفليقة، كان الحلف الحاكم للجزائر هو مؤسسة الرئاسة ومديرة الاستعلامات، أي بوتفليقة والجنرال توفيق.. بعدها بسنوات قرر بوتفليقة الترشح لعهدة ثالثة عبر تعديل الدستور، الأمر الذي رفضته مديرية الأمن والاستعلام، ليبدأ صراع جديد هذه المرة بين مؤسسة الرئاسة ضد مديرية الاستعلامات.. أي صراع بين بوتفليقة الطامح لعهدة ثالثة وبين الجنرال توفيق الرافض لها، هنا أقامت مؤسسة الرئاسة تحالف مع المؤسسة العسكرية خاصة بعد ترقية قايد صالح إلى رتبة فريق.

بعدها بدأ الحلف الجديد أي (مؤسسة رئاسة بوتفليقة وقيادة أركان جيش القايد صالح) في تقليص دور مديرية الاستعلامات بالتدريج، خاصة بعد أحداث عين أميناس 2013، ثم إلحاق ست مصالح ومديريات كانت تابعة لجهاز الاستعلامات إلى مؤسسة الرئاسة، حتى إلحاقها ككل إلى قيادة أركان الجيش، وصولًا إلى إقالة مديرها العام محمد مدين (الجنرال توفيق) سنة 2015.

ولأن دوام الحال من المحال، خاصة في عالم السياسة، ينشأ صراع آخر بين الحلف الجديد، أي بين مؤسسة رئاسة بوتفليقة وقيادة أركان جيش القايد صالح، حول شخصية الرئيس لانتخابات 2019، بدأ الصراع يأخذ منحى آخر، خاصة بعد إقالة تبون المحسوب على قيادة الأركان من طرف مؤسسة الرئاسة، ليأتي رد قيادة الأركان بالضغط على مؤسسة الرئاسة بإقالة اللواء الهامل بعد تصريحاته (اللي يحارب الفساد لازم يكون نضيف)..

هذا هو ملخص التحالفات في الجزائر منذ 1999، مرة نجد حلف بين مؤسسة رئاسة بوتفليقة ومديرية استعلامات توفيق يدخل صراع ضد مؤسسة العسكرية للقايد صالح، ومرة صراع بين تحالف مؤسسة رئاسة بوتفليقة وقيادة أركان القايد صالح ضد مديرية استعلامات توفيق، لنصل إلى صراع بين حلفاء الأمس، بين مؤسسة الرئاسة وبين قيادة أركان الجيش.

قد يبدو الأمر غريبًا بعض الشيء، لكن هذا ما حدث فعلًا والتاريخ بيننا.. طبعًا لم أشأ الدخول في تفاصيل كل مرحلة والأسباب التي جعلت من حليف اليوم عدو الغد، وعدو البارحة حليف اليوم؛ لأن ذلك أكثر من أن يحصر لتفاصيله الكثيرة.

سيناريوهات المرحلة القادمة للجزائر

على الأرجح هناك أربعة سيناريوهات للمرحلة القادمة، طبعًا إذا لم يترشح بوتفليقة؛ لأنه إذا ترشح فالأمر محسوم كالعادة له، أبعد السيناريوهات هو سيناريو الثورة لعدة أسباب أهمها نقص الوعي لعدى أغلب الشعب ولسهولة اختراقها، وذلك راجع لنجاح السلطة طيلت العشر سنوات الماضية عبر وسائلها وآلياتها، خاصة عبر آلتها الإعلامية في تغييب كل دور حقيقي لتوعية الشعب وقتل كل ما من شأنه أن يبعث روح الإرادة والعزيمة لأخذ زمام المبادرة، وأيضًا سبب آخر، وهو التجارب الفاشلة لدول التي أقامت ثورات والنتائج الكارثية لها؛ مما جعل خيار الثورة أمرًا مكلفًا جدًا.

السيناريو الثاني هو حدوث انقلاب عسكري، سواء من قيادة الأركان ضد مؤسسة الرئاسة، أو من الضباط الذين قد يسمون أحرارًا في ما بعد، ضد السلطة القائمة ككل بما فيها قيادة الأركان، أيضًا أعتقد أن هذا السيناريو مكلف جدًا خاصة للقوى الخارجية، على وجه الخصوص: فرنسا، وأمريكا؛ مما يعرض مصالحهما للخطر، لذا فإنه سيناريو قد يكون غير ذي جدوى.

السيناريو الثالث وهو تغلب أحد طرفي الصراع على الآخر، أطراف الصراع البارزون هم مؤسسة رئاسة بوتفليقة وقيادة أركان القايد صالح، وبدرجة أقل جناح الجنرال توفيق المتربص.

قد يحدث هذا السيناريو إذا كان الدعم الخارجي أقوى لأحد الأطراف؛ مما يجعل الطرف الأقوى يثبت مترشحه بالقوة والمال والدعم الخارجي، أو قد يحدث تحالفًا بين جناحين ضد آخر كما حدث دائمًا، ومع ذلك أعتقد أن السيناريو الرابع هو الأقرب للحدوث من أي سيناريو آخر.

السيناريو الرابع وهو بقاء الوضع كما هو، مع توافق شكلي بين الأجنحة المتصارعة على وضع رئيس توافقي لتجاوز المرحلة، يكون دور الرئيس القادم حفظ مصالح كل الأجنحة دون الميل لأي طرف، مع عدم المساس وتجاوز الخطوط الحمراء، أي رئيس شكلي أكثر منه شيء آخر.

القوى الخارجية خاصة فرنسا بدرجة أولى، وأمريكا بدجة ثانية، تريد جزائر ضعيفة، لكنها لا تحبذ خيار الفوضى؛ لأن ذلك تهديد مباشر لمصالحها، لذا أعتقد أن بقاء الاستقرار في الجزائر يخدمها أكثر، مع وجود أدوار لقوى أخرى مثل الصين وروسيا، لكن أعتقد أنها أدوار ثانوية مقارنة بدور كل من فرنسا وأمريكا.

أعداء الأمس حلفاء اليوم وأعداء اليوم حلفاء الأمس، كل طرف يريد إضعاف الأخر، لتقرير مصير الشعب الجزائري المغلوب على أمره تحت وطأة اقتصاد ريعي، وبيروقراطية متعسفة، وتعليم منهار، وصحة متهالكة، وسياحة لا وجهة لها، تراجع في القدرة الشرائية سقوط للعملة، فقر، حرمان، شعب مسكين إن حاول رفض الوضع المتهالك، قالوا له احمد الله على نعمة الأمن، وإلا فسيكون مصيرك مثل سوريا واليمن.. شعب مسكين تائه بين الرغبة في المطالبة بأبسط حقوقه، وبين الخوف من تهديد أمنه.

قد يحدث أحد السيناريوهات الأربعة، أو تكون هناك مفاجأة لسيناريو آخر، لكن كلها ليس في مصلحة الشعب، والأمر سيزداد سوءًا أكثر مع كل أزمة، والله غالب على أمره، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد