لم يجد الشعب الجزائري، في ظل الاحتقان الشعبي الذي يعيشه منذ عقود سوى كرة القدم متنفسًا وحيدًا، لإخراج مكبوتاته التي كثرت من سنوات في ظل واقع مرير على جميع المستوايات، الكرة الجزائرية التي كانت في دائرة النسيان عادت للأضواء منذ 2009، بفضل تكاثف الجهود وعودة مدرب له باع طويل في تاريخ كرة القدم الجزائرية اسمه رابح سعدان، الذي استطاع قيادة المنتخب لواجهة الكرة العالمية من بوابة مونديال أفريقيا الأول، ورغم أن المشاركة كانت محتشمة وخرجت الجزائر من الدور الأول، إلا أنها ذكرت العالم بمدرسة كروية عريقة تمتد جذورها لخمسينيات القرن الماضي، رغم الاستعمار.

إذن فتحت المشاركة في مونديال جنوب أفريقيا في تلك الفترة الأبواب أمام الكرة الجزائرية لإثبات وجودها من جديد بعد غياب دام عقودًا، لم تدم فترة تولي رابح سعدان قيادة المنتخب كثيرًا بعد 2010، فبتراجع مستوى المنتخب آثر التخلي وفتح المجال لغيره، وتعاقب بعض المدربين على هذا المنصب لكن الوحيد الذي استطاع أن يكوّن خلطة سحرية ليحافظ على بريق هذا الفريق الذي أصبح يضم ثلة من اللاعبين الذين يلعبون في أكبر الأندية الأوروبية هو المدرب الفرنكوبوسني وحيد حليلوزيتش، واستطاع هدا المدرب أن يبني منتخبًا وطنيًّا قادرًا على مقارعة أكبر الفرق التي لها تاريخ كبير في عالم المستديرة، فالمستوى الفني الذي وصل له المنتخب الجزائري مع هذا المدرب لم يسبق له قط أن تحقق مع كل من دربوا المنتخب الجزائري، إذ استطاع وحيد أن يحجز له مقعدًا في مونديال البرازيل وليس هذا فقط بل بخروج مشرف من الدور الثاني بعدما أسال محاربو الصحراء العرق البارد للمكينات الألمانية التي توجت باللقب فيما بعد. رغم هذا فإن حليلوزيتش لم يهنأ بما قام به حتى وإن بلغ مع المنتخب الجزائري ترتيبًا أكثر من مشرف في ترتيب الفيفا تمثل في احتلاله المرتبة التاسعة عشر قبل عدة منتخبات عالمية، فخروجه من الدور الأول في كأس أفريقيا، ورفضه أن يكون لقمة سائغة في فم الصحافة عجل بخروجه بإرادته، بعدما رفع اسم الكرة الجزائرية في العلالي.

كانت مرحلة ما بعد حليلوزيتش من أصعب المراحل التي مر بها المنتخب الجزائري فلا أحد مما دربوا المنتخب استطاعوا تحقيق حتى 10% مما حققه حليلوزيتش، فلا كرستيان غوركوف ولا جورج ليكنز استطاع أن يقدم الإضافة اللازمة لمنتخب أصبح أنصاره لا يقنعون بغير الفوز والألقاب، وفي كل هذا التخبط والانتكاسات تعالت الأصوات المنادية برحيل رئيس الاتحادية محمد روراوة الذي اعتبر المسؤول الأول عما يحدث للكرة الجزائرية عامة والمنتخب الوطني خاصة ليخلفه في المنصب رئيس فريق باردو خير الدين زطشي، الذي كان يعتبر نقسه صاحب مشروع بديل قادر على تطوير الكرة الجزائرية نحو الأفضل، وبدأ بتعين مدرب جديد للمنتخب هو رابح ماجر، ماجر لاعب صاحب تاريخ لا ينكره أحد، لكنه صاحب تاريخ تدريبي شحيح جدًا مع بعض الاندية القطرية التي لا إنجازات له معها تذكر، بالإضافة إلى المدة الطويلة التي ابتعد فيها عن التدرب وعن العشب الأخضر وآثر الجلوس في خلف الطاولات وارتداء البدلات الأنيقة، والعمل محللًا في قناة عربية ثم انتهى به المطاف محللًا في قناة محلية، وعرف عليه نقده الدائم لمن تولوا تدريب المنتخب الجزائري، إلى أن جاءته الفرصة مع العلم أنها منحت له من قبل وانتهت بفضيحة بعدما مزق العقد الدي يربطه بالفاف في المباشر أمام الناس على التلفزيون الجزائري.

ماجر الذي منذ تعينيه في أكتوبر 2017 حقق ولا يزال يحقق ليومنا هذا أسوأ نتائج في تاريخ المنتخب الجزائري، وخسائر بالجملة مع منتخبات متواضعة، دون حتى قدرته على تبرير ما يحدث وتبرير أخطائه التي أثبتت أن الفرق شاسع بين التنظير في الاستوديوهات والنزول والتطبيق في أرضية الميدان، وها هو اليوم يرفض كل الأصوات المنادية برحيله ويواصل هدمه لآخر ما تبقى من هيبة الكرة الجزائرية، ليتقن العام والخاص أن ماجر دخل المنتخب بعقلية السياسي الفاشل الذي لا يتزحزح من موقعه، وفوق كل هذا يحاول إقناع الناس أن ذهابه هو نهاية العالم. وبين كعب ذهبي يبكي على الأطلال والماضي وعقل قصديري يسعى لطمس الواقع والحاضر ها نحن نشاهد انهيار آخر متنفس لهذا الشعب المسكين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد